آخر تحديث: 4 / 5 / 2026م - 1:47 م

الصمت بين العارفين كلام

سهام طاهر البوشاجع *

الصمت ليس فراغًا كما نظن، بل لغة عميقة لا يسمعها إلا من أنصت بقلبه؛ فيه تنطق الحكمة، وتولد الطمأنينة، وتقال أشياء تعجز عنها الكلمات.

يملأ الضجيج حياتنا بدءًا من منبه الساعة صباحًا استعدادًا ليوم جديد وحياة أخرى تمتد بين الذهاب إلى الأعمال أو المدارس، مرورًا بزحام السيارات في الطرقات، وصخب الموظفين أو الباعة المتجولين، وعمال صيانة المباني أو الطرقات وغيرها، وحتى جرس المدرسة وما بين الحصص، أو جرس إنذار مريض في مستشفى، أو رقم تذكرة طيران، أو قطار مسافر، أو صوت المركبات الواقفة عند إشارات المرور.

نشتاق ضمن كل هذا الصخب إلى سماع صوت الصمت، وفي نفس الوقت نخاف ونتوجس منه، حذرًا من أن نعيش لحظات منه، فالصمت في عاداتنا عندما يحل، ولو لثوانٍ، نخاف منه ونقول دائمًا: ”اللهم اجعله خيرًا“.

وحين يتجاوز الإنسان خوفه من الصمت، يبدأ في اكتشاف وجهه الآخر؛ الوجه الذي لا يحمل رهبة الفراغ، بل امتلاء المعنى.

يلفتني صمت الأشجار عند نموها، أليست كائنًا حيًا؟ وكل كائن حي فيه من الحياة نصيب! أليس الصوت حياة، والصمت موتًا وفناءً؟ لماذا تنمو الأشجار صامتة إذن؟ وحين تأملتها وجدتها تسير في فلك بعيدًا عن فلكنا، إنها تسبح الله بحفيفها: ”وكل في فلك يسبحون“، بلغة مختلفة وصوت متمايز لا يسمعه إلا خالقها، ولا يدركه إلا هو ومن عنده علم السماوات والأرض.

ومن هذا التأمل، أدركت أن الصمت ليس سكونًا جامدًا كما نتصور، بل عالم نابض بالحكمة، تتعدد معانيه بتعدد مواقفه وتجلياته.

كبرنا مع أصوات الضجيج، نأمل يومًا أن نقف هنيئة تحت شجرة تتمازج تأملاتنا مع حفيفها، لعل صمتنا يصعد إلى السماء ويعانق الطمأنينة والسكينة والهدوء الذي ننشده من تعب الحياة. يقول شمس الدين التبريزي: ”الصمت له أيضًا صوت، لكنه بحاجة إلى روح تفهمه“، ويقال: ”في السكون غناء جميل، وفي الصمت دهشة أصوات، وحين تجلس وتصمت تكون تخترع أوتارًا جديدة“. فما أجمل أن تكون من الصامتين في موضع الصمت، وأن تكون من المتحدثين في موضع الحديث، ومن طال تأمله تجاوز ألمه.

ومع التأمل أكثر، وجدت أن الصمت ليس نوعًا واحدًا، بل هو لغات متعددة تعبر عن الإنسان أكثر مما يفعل الكلام أحيانًا.

وجدت في الصمت أنواعًا كثيرة أدهشتني، وغيرت مفهومي عنه، وجذبتني لأن أتبناها في حياتي، فهناك صمت الحكمة، وصمت الاختيار، وصمت الرفاهية، وصمت العبادة، وصمت الحزن، وصمت الألم، وصمت الخوف، وصمت الدهشة، وصمت الفرح، وغيرها كثير. تخرج الإنسان العاجز عن الكلام في مثل هذه المواقف باللجوء إليها، ففي انتهاجها بلاغة أكبر من بلاغة الكلام، وفيها فصاحة تفهمها العقول والقلوب معًا.

غير أن الصمت لا يكون حكمة دائمًا؛ فقد يصبح خذلانًا حين يجب قول الحق، أو هروبًا حين تستدعي المواقف المواجهة. لذلك تبقى قيمته الحقيقية في معرفة موضعه، فالصمت النبيل وعي، والصمت الجبان غياب.

ولأن الصمت ليس فكرة فلسفية مجردة، بل ممارسة يومية، فقد وجدته حاضرًا في تفاصيل حياتي العملية أكثر مما توقعت.

واحدة من حسنات الصمت التي تعلمتها وأمارسها في حياتي العملية، حين أدخل الفصل مصبحة على طالباتي وهن منشغلات في الحديث غير مباليات بمن دخل، فقط أصمت لثوانٍ بسيطة وأنا أنظر إليهن، فإذا بالصمت يعم المكان ويهدأ الجميع. وقد تعلمت هذه الحيلة البسيطة من دروس علماء النفس الذين قالوا إن الصمت أداة قوية تعكس النضج العاطفي والذكاء الاجتماعي، وليس مجرد غياب للكلام. إذ يمثل الصمت الواعي وسيلة لحماية الذات، وإدارة الغضب، وتعبيرًا أعمق من الكلمات في مواقف الإساءة أو الحزن. كما يُنظر إليه كآلية للتفكر والتدبر، ودليل على قوة الشخصية والثقة بالنفس.

وحين أكتب بصمت عن الصمت، فهو تأمل يأخذني إلى عالم الحب الذي لا تطؤه إلا القلوب النقية الواضحة، وغير الخائفة أو المستترة وراء جدران الصمت المخيف أو المشبوه.

فالصمت ليس غياب الصوت، بل حضور المعنى. هو ذلك النور الخفي الذي بوجوده تعرف الدنيا طهره وحضوره، ويعرف الله، وهو سيد العارفين، أنه آية من آياته، وخلق من خلقه، وحكمة من حكمه، ووصلة ينشدها السائرون إليها؛ لتفوز أرواحهم بمآثره الكثيرة.

كاتبة ومحررة في صحيفة المنيزلة نيوز