آخر تحديث: 3 / 5 / 2026م - 3:09 م

”كلمة تستحي منها... بدها“

ياسر بوصالح

يُقال في بعض اللهجات الخليجية ”كلمة تستحي منها بدها“ وهو مثل شعبي بليغ يُصوِّر بدقة العلاقة بين الخجل والقدرة على التعبير عن الأفكار أو الآراء، ويُستخدم غالبًا لتشجيع الفرد على كسر الحواجز النفسية عند الحديث في موضوع قد يبدو محرجًا أو حساسًا، وكأن المثل يقول: إن كنت تخجل من قول شيء، فأنت أحوج الناس إلى قوله.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه.. هل هذا المثل على إطلاقه؟

أي هل يشجّع الإنسان على الإفصاح عن كل فكرة أو رأي دون مراعاة؟

أم أنه يُلمّح إلى أن بعض المواقف التي تحتاج إلى قدرٍ أكبر من الجرأة؟

إذا تأملنا هذا المثل من زاوية أوسع، وجدنا أنه لا يمكن تطبيقه على إطلاقه، فثمّة أمور يكون من الحكمة الصمت عنها، وأخرى يُستحب فيها التحفّظ، في المقابل، هناك مواقف تتطلّب جرأةً لكسر التردّد والخوف غير المبرّر، ولعلّ جوهر المثل يكمن في التمييز بين الخجل السلبي الذي يعوق الإنسان عن قول الحق أو الدفاع عن قناعاته، والخجل الإيجابي الذي ينبع من تهذيب الذات واحترام السياق.

بمعنى آخر.. ليس كل كلمة تستحي منها ينبغي قولها، ولكن هناك كلمات تفرضها عليك كرامتك ومبدؤك، وإن أثقلت عليك ولذلك، لا ينبغي فهم المثل كقاعدة صارمة، بل كدعوة لإعادة تقييم حدود الجرأة والخجل، تبعًا لطبيعة الموقف ومتانة الفكرة المطروحة.

الحياء والخجل قد يبدوان متقاربين، لكن بينهما فرق جوهري في المعنى والتأثير.

الحياء فضيلة أخلاقية تنبع من وعي الإنسان بمقامه أمام الله والناس، ويُترجم إلى تهذيبٍ داخلي وضبطٍ للسلوك، الحياء قوة تضبط الموقف، لا تُعطّله، يُهذّب القول دون أن يمنعه، ويمنح صاحبه الوقار دون أن يحرمه من الحق.

الخجل، في المقابل، حالة نفسية قد تنشأ من ضعف الثقة بالنفس أو الخوف من نظرة الآخرين يُنتج تردّدًا، وقد يتحوّل إلى عائق يحرم الإنسان من التعبير عن رأيه أو المطالبة بحقه.

ولتقريب الصورة.. صاحب الحياء هو من يرفض رفع صوته في الجدال، رغم قدرته على الرد، لأنه يرى أن الأخلاق تسبق الانتصار، أما الخجول، فهو من يؤمن بقضيته، لكنه يسكت عنها خوفًا من ردود فعل الآخرين.

هل لهذا المثل جذور في تراث أهل البيت ؟

الجواب.. نعم، بل إن التفريق بين الحياء والضعف مذكور بجلاء في كلماتهم.

يقول أمير المؤمنين «من استحيا من قول الحق، فهو أحمق» [1] .

وهو بذلك يذمّ الحياء السلبي الذي يمنع الإنسان من القيام بالواجب أو الإفصاح عن الحقيقة.

وفي موضع آخر، يمتدح الحياء في سياقه الأخلاقي، فيقول «من لم يستحي من الناس، لم يستحي من الله سبحانه» [2]  فالحياء هنا رادع داخلي، لا مانع خارجي.

ختامًا، أقول كما بدأت، ما أجمل أمثالنا الشعبية، حين تنسجم مع بصائر أهل البيت ، وتُضيء لنا زوايا النفس بوضوح، لكن على النقيض، هناك أمثال يُروّج لها رغم ما تحمله من مغالطات واقعية أو مخالفة شرعية؛ والمطلوب منا أن نميّز، لا أن بعض الكلمات التي ”تستحي منها“... هي بالضبط ما يجب أن يُقال، لكن بحكمة.


[1]  غرر الحكم درر الكلم - الآمدي - ص 70

[2]  غرر الحكم درر الكلم - الآمدي - ص 257
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
عبدالله صالح الخزعل
2 / 5 / 2026م - 12:15 م
الأستاذ العزيز الكريم ..

لقد أجدت كعادتك في استخراج المعاني النفيسة من المألوف وربطها بالتراث الأثمن من أقوال آل البيت عليهم السلام، فجاء مقالك عميقًا في طرحه، متوازنًا في منطقه، يجمع بين دقة التحليل ورهافة الحس. لقد أبرزت بوضوح الفرق بين الحياء كقوة أخلاقية تضبط القول وتمنحه الوقار، وبين الخجل كضعف نفسي يحجب الحق ويعطل الموقف، فجعلت المثل الشعبي «كلمة تستحي منها بدها» دعوة إلى الجرأة حين يمنعك الخجل السلبي من قول كلمة الحق، دون أن يكون قاعدة مطلقة تُطلق في كل سياق. وما زاد المقال قوة هو استشهادك بكلمات أمير المؤمنين عليه السلام التي فرّقت بين الحياء المذموم الذي يمنع الإنسان من أداء واجبه، والحياء المحمود الذي يحفظ كرامته أمام الله والناس. بهذا الربط البديع، يتحول المثل الشعبي من مجرد عبارة دارجة إلى جزء من منظومة أخلاقية متكاملة، تضيء لنا زوايا النفس وتعلّمنا كيف نوازن بين الجرأة والتهذيب.

شكرًا لك أستاذ ياسر على هذا المقال الذي يفتح لنا أفقًا أوسع للفهم ويغني الفكر والوجدان.
2
أبو أحمد المختار
[ الدمام ]: 2 / 5 / 2026م - 3:12 م
لفتة جميلة كما عودتنا أستاذ ياسر،
أعتقد المثل الشعبي يقصد الحياء النابع من الحرج الذاتي، كما لو أنك مطالب عرفا بأمر ما لكنه يبهض قدرتك (من قبيل مجاملة أو حق عرفي معين) هنا يستحضر القائل المثل ليعتذر عن المفروض عليه فيرفع السامع الحرج عنه أو يرده..

..???