حين يتخرّج الابن… ويكتمل حلم الوالدين
جاء ولدي ذلك اليوم على غير عادته، وجهه يشرق كصباحٍ جديد، وابتسامته تُزيّن ملامحه كأنها بشارةٌ مؤجلة منذ زمن. نظرتُ إليه بدهشةٍ ممزوجةٍ بالشوق، وقلت:
— أراك اليوم مختلفًا… أين ذهب ذلك التعب؟ أين ذلك الضجر الذي كان يسكن عينيك؟
ابتسم ابتسامة من يعرف أن الفرح على الأبواب، وقال بصوتٍ يكاد يطير:
— بعد أسبوع… سأودّع كل هذا، يوم الثلاثاء هو يوم تخرّجي.
قالها وكأن جناحين قد نبتا في روحه، قالها وكأن سنوات التعب قد ذابت فجأةً في كلمةٍ واحدة: تخرّجت. لم أستوعب، تلعثمتُ بين الدهشة والفرح، وقلت:
— أعدها… أرجوك.
ضحك، وقال بحب:
— يا أمي… سأَتخرّج.
في تلك اللحظة لم أعرف كيف أزغرد، لكن قلبي كان يزغرد بكل ما فيه من حب. احتضنته، قبّلتُ جبينه، وهمست:
— ألف مبروك يا ولدي…
وفي تلك الليلة، لم يكن العشاء مجرد طعام، بل كان مائدةً من الفرح، نرسم عليها تفاصيل الحلم: من سيحضر؟ كيف سنذهب؟ أين سنجلس؟ وكأننا نحيك لحظةً سنحفظها في العمر كله.
كان الأب صامتًا قليلًا، لكن عينيه كانت تقول كل شيء. كان ينظر إلى ولده بفخرٍ هادئ، كأن السنوات التي قضاها في التعب والعمل تمرّ أمامه في لحظة. ابتسم وقال بصوتٍ مفعم بالاعتزاز:
— الحمد لله… اليوم أرى ثمرة تعبنا.
أما بقية أفراد العائلة، فقد تسابقت كلماتهم قبل مشاعرهم: تهانٍ، دعوات، ضحكات، أحلام تُقال بصوتٍ عالٍ. كل واحدٍ منهم يرى في هذا التخرّج جزءًا من فرحه الخاص، وكأن النجاح حين يزور بيتًا لا يطرق باب شخصٍ واحد، بل يفتح أبواب القلوب جميعًا.
جاء يوم الثلاثاء، وجاء معه الشوق، والانتظار، والنبض المتسارع. دخلنا الجامعة؛ ازدحامٌ كالأمواج، وأماكن تتلاشى أمام الأعين. تفرّقنا، وتباعدت المقاعد، وباتت الرؤية بعيدة… كأن الحلم يُختبر قبل أن يكتمل.
بدأت أسماء الخريجين تتوالى على الشاشة أسماءُ الخريجين واحدًا تلو الآخر، وقلبي يقف عند كل حرف. لكن… أين اسم ولدي؟ تسارعت دقّاتي: أهذا ممكن؟ أضاعوه؟ نُسي اسمه؟ نظرتُ إلى والده بقلقٍ يفيض، فقال بهدوءٍ يسكب الطمأنينة:
— اهدئي… سيأتي.
بدأت المسيرة، والعيون تفتّش بين الوجوه. حملتُ الكاميرا، لا أريد سوى صورةٍ واحدة… صورة تختصر العمر كله. لكن البعد كان قاسيًا، والصوت مضطرب، والتنظيم مرتبك، والفرح كأنه يُختبر بالصبر. ومضى الحفل، وغادر كثيرون بفرحٍ ناقص.
انتظرناه عند السيارة، وكان الانتظار هذه المرة مختلفًا. الأب يقف شامخًا، لكنه يسرق النظر إلى الطريق كل لحظة، كأن قلبه يسبق عينيه شوقًا.
وجاء… ركض نحونا. احتضنه أبوه قبل أن تصل إليه يداي، ضمّه بقوةٍ كأنما يقول دون كلمات: ”أنا فخور بك… أكثر مما أستطيع قوله“. ثم قبّل رأسه، وعيناه تلمعان بدمعةٍ لم يُرِد أن يراها أحد. أما أنا فاحتضنته كما لو أني أستعيد طفولته كلّها في لحظة، قبّلتُه، وضحكتُ وبكيتُ في آنٍ واحد. قال لي وهو يبتسم:
— يا أمي… رأيتكِ… كنتِ تحملين الكاميرا… كنتِ معي.
يا الله… كم يكفي هذا الشعور! أن أكون معه… ولو من بعيد.
اجتمعنا، التفّ حوله الجميع: عماته، خالته، أقاربه. كلهم يباركون، يضحكون، يلتقطون الصور، وكأن الفرح قد قرر أن يسكن تلك اللحظة فلا يغادرها. التقطنا صورةً جماعية، ليست فقط صورة، بل ذاكرةٌ حيّة ستبقى ما بقي العمر.
ثم قلتُ، وأنا أضمّ فرحتي بين كلماتي:
— لن نكتفي بهذا… سنكمل فرحتنا.
ذهبنا إلى أحد المطاعم، جلسنا حول مائدةٍ عامرة، لكنها لم تكن عامرة بالطعام فقط، بل بالضحكات، والذكريات، والحكايات التي بدأت تُروى من جديد. كان الأب يتأمل ولده بين حينٍ وآخر، يبتسم بصمت، وأنا أراقبهما معًا وأحمد الله على اكتمال هذه اللحظة. أما هو فكان يضحك ويتحدث وكأنه يودّع تعب السنوات كلها في تلك الليلة.
وفي نهاية المساء، نظرتُ إليه، وقلت من أعماق قلبي: ألف مبروك يا ولدي… يكفيني أن أراك سعيدًا… ففي سعادتك تكتمل كل أحلامي.
همسة:
ليس التخرّج شهادةً تُعلّق على الجدران، بل هو دعاءُ والدينٍ سكن السماء أعوامًا، حتى عاد إليهما فرحًا يمشي على الأرض.











