خير جليس كتاب
تحدثنا في مقالة سابقة عن أهمية الكتابة وذلك بعنوان ”عندما يتحدث القلم“ «1»، والآن جاء دور الكتاب لنتعرّف على أهميته في الحياة وفي فهم علاقته بوعي الإنسان ومعرفته.
”خير جليس كتاب“ ليست عبارة تقال في المناسبات الثقافية، بل مفتاح لفهم عميق لعلاقة الإنسان بالوعي والمعرفة. في زمن تتسارع فيه المعلومة وتتنافس فيه الشاشات على جذب الانتباه، يصبح السؤال الحقيقي:
كيف يمكن للكتاب أن يستعيد مكانته في حياة الإنسان؟ وكيف يتحول من خيار ثانوي إلى ضرورة وجودية؟
فمنذ اللحظة الأولى لنزول الوحي، رسم القرآن الكريم ملامح هذه العلاقة، حين قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، ليؤكد أنّ القراءة ليست مجرد مهارة، بل بداية وعي، وطريق اتصال بين الإنسان وربه. فالقراءة هنا ليست ترفًا فكريًا، بل فعل بناء للإنسان من الداخل. ويعزز هذا المعنى قوله تعالى: ﴿…. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ…﴾ [الزمر: 9]، في إشارة صريحة إلى أنّ الفارق الحقيقي بين البشر ليس في مظاهرهم، بل في وعيهم ومعرفتهم.
وعندما ننتقل إلى روايات أهل البيت
، نجد تأكيدًا عميقًا على أنّ العلم - الذي تُعد القراءة بوابته الأولى - هو رفيق الإنسان الحقيقي. يقول أمير المؤمنين الإمام علي
: ”العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال“، وفي هذا التصوير إشارة بليغة إلى أنّ ما يكتسبه الإنسان من معرفة يبقى معه، يحميه ويوجهه، في حين أنّ غيره من المكتسبات قد يزول.
إنّ القراءة الواعية لا تمنح الإنسان معلومات فحسب، بل تعيد تشكيل طريقة تفكيره. فهي توسّع أفقه، وتجعله أكثر قدرة على التحليل والنقد، وتمنحه مرونة في فهم الاختلاف. كما تسهم في تهذيب النفس، خاصة عندما ترتبط بكتب القيم والروح، فيقترب الإنسان من معاني الحكمة والاتزان. وهذا ما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿… يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ…﴾ [المجادلة: 11]، حيث لا يكون الرفع ماديًا فقط، بل ارتقاء في البصيرة والوعي.
ورغم هذه المكانة العظيمة، يواجه واقع القراءة اليوم تحديات حقيقية، خاصة لدى الشباب. فالمحتوى السريع اختصر المعرفة في مقاطع قصيرة، وأضعف القدرة على التركيز والتأمل. كما أنّ غياب القدوة القارئة في بعض البيئات، وتقديم القراءة بأسلوب تقليدي جاف، جعلا منها عبئًا بدل أن تكون متعة. وهنا تكمن الحاجة إلى إعادة تقديم الكتاب بوصفه تجربة حيّة، لا واجبًا ثقيلًا.
لقد أشار الإمام الصادق
إلى أهمية التفاعل مع المعرفة بقوله: ”اكتبوا فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا“، في دعوة إلى تحويل القراءة من تلقي سلبي إلى ممارسة واعية. فالكتاب لا يمنح أثره الحقيقي إلّا لمن يقرأ بعقل حاضر وقلب متفاعل.
في النهاية، لا يصبح الكتاب ”خير جليس“ إلّا حين يتغيّر موقعه في حياتنا: من رفٍّ مهمل إلى رفيق يومي، ومن كلمات تُقرأ إلى وعي يُعاش. حينها فقط، ندرك أنّ القراءة ليست هروبًا من الواقع، بل أعمق وسيلة لفهمه وصناعته.











