آخر تحديث: 29 / 4 / 2026م - 2:59 م

ثقة تثمر بجمعية مضر الخيرية بالقديح

عماد آل عبيدان

الخطوة التي خطتها جمعية مضر الخيرية بالقديح في اعتماد تأسيس شركة استثمارية ما كان مجرد قرار مالي أقرّته الجمعية العمومية في اجتماعها المنعقد مساء الاثنين 27 أبريل 2026 م بقاعة الملك عبدالله الوطنية للمناسبات لكنها انتقال واعي من إدارة العطاء إلى صناعة بقائه. فالعمل الخيري إذا بقى معلقًا بموسم التبرع وحده وأعتمد عليه يظل كريمًا ولكنه قلق لا استدامة فيه رغم كرم وعطاء المحسنين فهو يعطي اليوم ثم ينتظر غدًا يدًا أخرى تسنده. بينما إذا تحول إلى مورد منظم وأصل منتج وقرار محكوم بالشفافية فإنه لا يفقد روحه إذ يحميها من الانطفاء.

اللافت في مشهد مضر الخيرية أن القرار لم يأتي منفصلًا عن أرضية صلبة فهناك حوكمة بلغت 99.20% وشفافية وإفصاح بنسبة 100% والتزام وامتثال وسلامة مالية بنسبة 99% وهذه أرقام تفسر الخبر. فالمجتمع لا يمنح ثقته لمؤسسة لأنها ترفع شعار الخير وإنما لأنها تثبت له أن الخير فيها مُدار بعقل ومصان بنظام ومفتوح على المساءلة.

ومن هنا يصبح تأسيس الذراع الاستثماري أذكى من أن يقرأ كبحث عن ربح فقط فهو في حقيقته بحث عن استقلالية القرار الخيري. فإذا ملكت الجمعية مواردها استطاعت أن تخطط بهدوء وأن توسع برامجها دون ارتباك وأن تواجه الحالات العاجلة دون أن تبدأ كل مرة من نقطة النداء.

وقد كشف اجتماع العمومية عن مؤشرات مالية داعمة لهذا الاتجاه منها زيادة صافي الأصول بنحو 5% وارتفاع السيولة النقدية بأكثر من 22% مع تفويض مجلس الإدارة باستثمار الفائض المالي في مشاريع تنمّي موارد الجمعية وتدعم توسعها التنموي.

وفي القديح لا يبدو هذا التحول بعيدًا عن حياة الناس اليومية فالمجمع الطبي ليس رقمًا في قائمة ممتلكات كونه خدمة تمس المريض وأسرته وصالة الملك عبدالله كذلك ليست مبنى للمناسبات فقط فهو وعاء اجتماعي واقتصادي يجمع الناس ويشغل موردًا ومركز عين وقد وضع في مسار استثماري بإدارة أخرى لتجنب الخسارة والإغلاق يقدم مثالًا مهمًا على شجاعة التصحيح.

فالإدارة الرشيدة لا تكابر على مشروع متعثر ولا تتركه ينزف حتى يسقط وإنما تبحث له عن صيغة تحفظ الأصل وتقلل المخاطرة وتبقي النفع ممكنًا.

وهذا هو الفارق بين جمعية تستهلك مواردها وجمعية تعلم مواردها كيف تعمل. فالعطاء المباشر يبقى ضرورة لا غنى عنها.

وقد بلغ دعم الجمعية في فبراير 2026 م وحده 785,752 ريالًا استفاد منها 606 حالة شملت السلة الغذائية وشؤون الأسر والمساكن والتعليم والزواج الميسر والأيتام والمساعدات الصحية.

لكن هذه المصروفات نفسها تقول لنا إن الرحمة تحتاج إلى رافعة مالية وإن اليد التي تمتد للمحتاج تحتاج خلفها عقلًا يحسب ومجلسًا يراجع وموردًا لا ينهار عند أول ضغط.

حتى التطوع في هذه الصورة لم يعد عملاً جانبيًا على هامش المؤسسة فقد طرحت الجمعية في الربع الأول من 2026 م ثمانيًا وأربعين فرصة تطوعية شارك فيها 120 متطوعًا ومتطوعة وسجلت 4631 ساعة تطوعية بعائد اقتصادي بلغ 201 ألف ريال فهذه الأرقام تكشف أن المجتمع لا يعطي ماله فقط انه يعطي وقته وخبرته وأن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من العقار وحده فالإنسان إذا وجد جهة تستحق أن يضع ثقته فيها أعطاه.

إن أجمل ما في هذه الخطوة أنها لا تخرج العمل الخيري من إنسانيته فهي تعيد إليه اتزانه. فالفقراء لا ينتفعون من العاطفة إذا بقيت بلا تنظيم والمستفيد لا تكفيه النية الطيبة إذا لم تتحول إلى برنامج والبرامج لا تعيش طويلًا إذا لم تحملها موارد مستدامة. لذلك تبدو شركة مضر الاستثمارية المقترحة كأنها جسر بين قلب المجتمع وعقل المؤسسة لتحفظ دفء اليد وتمنع ارتجافها عند الحاجة.

هنا لا نتحدث عن خبر عادي وعابر في اجتماع سنوي وإنما نتحدث عن درس محلي في النضج عندما ننتقل من ثقافة ”كم دفعنا؟“ إلى سؤال أعمق ”كيف نضمن أن يستمر الدفع لمن يحتاج؟“ ومن فرحنا بالمبادرة إلى وعينا ببنائها. فالخير إذا لم يجد إدارة تحرسه قد يتعب من كثرة ما يطلب منه وإذا وجد حوكمة واستثمارًا وتطوعًا وثقة صار موردًا يسقي أكثر مما يُستنزف.

جمعية مضر اليوم لا تقول للمجتمع تبرعوا فقط.

إنها تقول له بصوت ووقع أكثر نضجًا ”لنحول الثقة إلى أصل والأصل إلى أثر والأثر إلى مستقبل“.