عابرون وسيبقى الأثر
يولد الإنسان ويقبل على الدنيا، ومنذ الطفولة ينشأ ويكبر حتى يصبح شابًا يافعًا، يمتد به العمر وتكبر معه الآمال بالصحبة الطيبة، وحب الحياة، والرغبة في العيش هادئًا ومعززًا.
فالإنسان هو من يكتب سيرته، وعليه أن يحسن صياغة تصرفاته ليقرأها الناس بالذكر الجميل، وتكون له سيرة ذاتية راقية، سيرة مشرفة حافلة بالإنجازات، بادئًا خطواته بالتعلم والتدريب ثم العمل، وأن يحدد توجهه بحسب الظروف التي يمر بها، واضعًا أمامه أن الطريق ليس ممهدًا وسهلًا كما يتصور، فتارة قد يكون الحظ أو النصيب في حياته يأخذه إلى منعطف لم يكن يومًا من أحلامه أو أمنياته، ولا يتوافق مع ميوله ولا رغباته ولا طموحاته.
من هنا عليه الرجوع إلى التخطيط السليم، ورسم خطواته من جديد، ومن أبرز الأعمال التي تترك إرثًا رائعًا للإنسان: العمل الصالح الذي تبقى جذوره عميقة، وهو زينة لصاحبه في الدنيا وذكريات خالدة بعد الرحيل، الصحبة الجميلة، الالتزام بالمبادئ والقيم، حسن الخلق، السمعة الطيبة، الخصال الحميدة بين الناس، التواضع والصبر، طاعة الوالدين، ومد العون للفقراء والمحتاجين، التسامح وتقدير الآخرين يكونان ميزة ووسامًا مشرفًا على صدره، تزيده احترامًا ومحبة، لترفع من شأنه وتزيد من ثبات إيمانه، ثم ذكره عند الآخرين بالسمعة الطيبة.
لا شك أن ذلك من سنن الحياة؛ يمر الإنسان في حياته بما يفرحه ويحزنه، وتصادفه في طريقه صعوبات وعقبات، في مجال دراسته، وفي عمله، وبين زملائه في العمل وبين معارفه، وحتى الأقربين من أهله، وكذلك في الحل والترحال.
نقرأ ونسمع، ومن خلال مراحل حياتنا، عن بعض الشخصيات التي نقشت في ذاكرة التاريخ أروع الصور، التي يجب ألا تمر دون أن نضعها نموذجًا نقتدي به، ليأتي غيرنا ويجعلها قدوة يرسم بها نهجًا لحياته.
إننا سنمر كما مر غيرنا، سنمضي وإن طال العمر، ستطوى صفحتنا كما طويت صفحات غيرنا ممن سبقونا، لكن يبقى الفرق، سيرتنا عندما نزرع ذكرًا طيبًا، ونترك بعد رحيلنا كلمة حسنة يتذكرنا بها من عرفونا، وسيقرأ عنا ذلك من يعرفنا ومن لم ندركهم، وأن يكتب في صحف أعمالنا، وهو ما سيطلع عليه الله عز وجل ماذا عملنا وماذا قدمنا، لنجعل في سجلنا وصفحات أعمالنا سطورًا بيضاء ناصعة لا يمحوها الزمن، وتبقى آثارها في ذاكرة الناس، صفحة مضيئة، رغم الغياب، فكلنا عابرون وسيبقى الأثر، قال تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105]











