الفوضى تعيد نفسها
هل يمكن للوحة على جدار أن تكون سببًا في شجار الطلاب؟ وهل من المعقول أن تكون لوحة على جدار لها تأثير على نفوس من يشاهدها؟ عانى مدير إحدى المدارس الابتدائية من صفوف الرابع الابتدائي، حيث تتكرر لديه في كل عام نفس المعاناة من الفوضى وعدم الانتظام، والعراك بين الطلاب إلى حدٍّ غير معقول. في السُّلَّم الذي ينزل منه الطلاب توجد لوحة تجريدية كبيرة وملفتة للنظر بحجمها، يشاهدها جميع الطلاب، مرسومة بشكل متداخل في ألوانها ورسوماتها. من ينظر إليها يرى حالة من التداخل تبعث في النفس الانزعاج. قد يكون للفنان الذي رسمها معنى خاص، كما يُشاع أن معنى القصيدة في قلب الشاعر، فكذلك تلك اللوحة معناها في قلب الرسام.
لفت أحد معلمي التربية الفنية نظر مدير المدرسة إلى أن وجود هذه اللوحة له أثر على نفوس الطلاب، وقد تبعث فيهم حالة من الفوضى دون أن يشعروا. لذلك نصحه بإزالتها في العام المقبل، واستبدالها بلوحة تتسم بالهدوء والاتزان. وأضاف أن ألوان الجدران، ووضع اللوحات الإرشادية بطريقة منظمة، وتهيئة بيئة مرتبة، سينعكس إيجابًا على نفوس الطلاب ويساعدهم على الهدوء.
وضرب له مثالًا فقال: لو أن مكتبك هذا الجميل والمرتب رأيت فيه ورقة منديل على الأرض، فسوف تبادر بإزالتها لأنها عنصر شاذ في مكان منظم. وعلى العكس، لو كان المكان في حالة من الفوضى، فلن تؤثر ورقة واحدة في ظل تلك الفوضى.
إن لكل أمر طابعًا نفسيًا على متلقيه؛ فالصوت الجميل يؤثر، والهندام المنظم يبعث رسالة غير مباشرة، وكذلك الشوارع النظيفة تساعد في هدوء نفوس الناس. وكلما زاد النظام في حياة الناس، انعكس ذلك على سلوكهم.
بعض المدارس تصف الطالب بعدم انتظام سلوكه، وهذا أمر متوقع إذا لم تُهيَّأ البيئة التي تبعث في نفس الطالب والمعلم روح النظام.
كما أن بعض البيوت لا تُعير اهتمامًا للترتيب والنظافة، مما ينعكس ذلك على سلوك الأبناء.
البيئة تصنع النفسية ثم تصنع السلوك.
وقبل أن نلوم الطالب، علينا أن نسأل: ماذا قدمنا له من بيئة؟ فالفوضى لا تُنتج نظامًا، بل تُعيد إنتاج نفسها.











