آخر تحديث: 23 / 4 / 2026م - 3:00 م

من يحدد الرئيس… المجتمع أم المجلس؟

عبد الله أحمد آل نوح *

ليست الانتخابات في الجمعيات الخيرية مجرد صناديق اقتراع تُملأ بالأصوات، بل هي مرآة صادقة تعكس وعي المجتمع، وتكشف كيف يفكّر حين يُمنح حق الاختيار. وفي كل مرة تنعقد فيها الجمعية العمومية، كما يحدث في جمعية تاروت الخيرية، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: من سيفوز؟ بل: كيف نختار؟

المجتمع هو من يقرر من يصل إلى مجلس الإدارة، سواء بشكل مباشر عبر التصويت، أو بشكل غير مباشر من خلال التأثير، والتزكية، وتشكيل القناعات. ولهذا، فإن جودة المجالس تبدأ من جودة الاختيار. فحين تُقدَّم الكفاءة على المجاملة، والخبرة على الحضور الاجتماعي، والرؤية على العلاقات، نكون قد وضعنا الأساس الصحيح لمجلس قادر على الإنجاز.

أما حين تُبنى القرارات على العاطفة، أو على اعتبارات لا علاقة لها بمتطلبات العمل، فإننا نكون قد وضعنا أول لبنة في طريق التعثر، مهما كانت النوايا حسنة. فالمشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في أداء المجالس بقدر ما تكمن في طريقة تشكيلها.

لكن الانتخابات، مهما بلغت أهميتها، لا تصنع النجاح وحدها. فمرحلة ما بعد النتائج هي الاختبار الحقيقي. بعد إعلان الأسماء، يسقط منطق الفائز والخاسر، ويبدأ منطق الفريق الواحد. وهنا يتحدد مصير المجلس: إما أن يتحول إلى كيان متماسك يعمل بروح مشتركة، أو يبقى مجموعة أفراد تجمعهم المقاعد وتفرقهم الرؤى.

إن التوافق بين الأعضاء ليس خيارًا تكميليًا، بل شرط أساسي للنجاح. فالمجلس الذي لا ينجح في بناء انسجام داخلي، لن ينجح في تحقيق أثر خارجي. والعمل الخيري بطبيعته لا يحتمل الصراعات، ولا يُدار بعقلية فردية، بل يحتاج إلى تناغم، وثقة متبادلة، وقدرة على إدارة الاختلاف وتحويله إلى قوة.

وتزداد أهمية هذا التوافق عند اختيار رئيس المجلس. فالرئاسة ليست غاية يُتنافس عليها، بل مسؤولية يُتوافق عليها. وعلى الأعضاء المنتخبين أن يبتعدوا عن النزعة الفردية، وأن يُدركوا أن نجاح المجلس لا يرتبط باسم الرئيس بقدر ما يرتبط بروح الفريق. فكل عضو دخل الانتخابات يجب أن يكون مستعدًا لتحمّل المسؤولية في أي موقع، وأن يرى نفسه مشروع قائد، لا باحثًا عن منصب.

إن الوعي الحقيقي يقتضي أن يدخل المترشحون هذا الميدان وهم مستعدون لقبول النتائج، لا أن يحدد أحدهم موقعه مسبقًا، فإن لم يتحقق انسحب أو تعطّل. هذه الممارسات تُضعف العمل، وتُربك المجلس قبل أن يبدأ. أما النضج، فيكمن في أن يكون الهدف هو خدمة الجمعية، لا حجز موقع بعينه.

ومن هنا، فإن من لا يملك القدرة على التكيّف، أو لا يستطيع العمل بروح جماعية، فالأجدر به أن يراجع قراره قبل دخول المجلس. لأن العمل الخيري لا يحتمل الحسابات الضيقة، ولا يُدار بعقلية ”إما أن أكون في المقدمة أو لا أكون“.

وفي المقابل، لا يمكن عزل المجتمع عن النتيجة. فالمسؤولية لا تنتهي عند التصويت، بل تبدأ منه. المجتمع الذي يختار، مطالب بأن يدعم، وأن يساند، وأن يكون شريكًا في النجاح، لا مجرد مراقب للأداء. فنجاح أي مجلس هو في جوهره انعكاس لحضور المجتمع من حوله، ومدى إيمانه بدوره في إنجاح العمل الخيري.

لقد تغيّر مفهوم العمل الخيري، ولم يعد مقتصرًا على تقديم المساعدة الآنية، بل أصبح يتجه نحو صناعة الأثر وبناء الإنسان. وهذا التحول يتطلب مجالس تمتلك رؤية، ومجتمعًا يساندها، ويُدرك أن المسؤولية مشتركة، وأن النجاح لا يُصنع بقرار فردي، بل بتكامل الجهود.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح: المجتمع هو من يختار من يمثله، لكنه في الوقت نفسه شريك في نجاحه أو تعثره. فحسن الاختيار هو البداية… والتوافق هو الطريق… والنجاح هو النتيجة التي يصنعها الجميع.

عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال