آخر تحديث: 23 / 4 / 2026م - 3:00 م

(نُور).. عَروسٌ زُفَّت إلى الجِنان

الشيخ سمير آل ربح

في ضُحى يوم الجُمعة الفَائت الموافق للثامن والعشرين من شهر شوال، تُباغت جوالي رسالةٌ عبر الأثير مفادُها أنَّ أسماءَ (نور) انتقلت إلى الدَّار الآخرة، فعمَّ الصَّمتُ الممتزِجُ بالذُّهول والصَّدمة.. حزنٌ وأسى ودموعٌ ووجُوم، فهي ابنةُ خالتي وخالةُ أولادي، بل لا أحسبها إلا إحدى بناتي، إذ كنتُ أراها صبيةً تنشأُ وتترعرعُ وسطَ بيتٍ هَادِئ.

فتاةٌ نشأت يتيمةً؛ إذ رحلَ عنها أبوها (الحاج عبدالله بن علي آل ربح أبو هاني) وهي لمَّا تبلغ السادسة مِنْ عمرها، فتلقَّتها أمُّها بحضنِها الدَّافئ ومشاعرها الفيَّاضة، وتربيتها الصالحة. أخذت هذه الأم النموذجية في رعايتها كنبتةٍ للتوِّ تتبرعم، ويومًا بعد يوم، وشهرًا بعد شهر، وسنةً بعد سنة، إلى أن اشتدَّت ونمت وترعرعت (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) [سورة محمد: 29]؛ فتحوَّل (اليُتم) من نقطةِ ضَعفٍ في ظاهره إلى سببِ قُوَّةٍ وتحدٍّ في مواجهة صعوبات الحياة ومشقتها.

أحاطَ بها إخوةٌ وأخواتٌ.. أشقاء وشقيقات إحاطةَ السوار بالمِعصم، فهُم الكَلالة: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ آللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي آلْكَلاَلَةِ) [سورة النساء: 176]. و(الكَلالة) جمع إكليل، وهو التَّاج الذي يُحيط بالرأس من جوانبه ولا يعلوه، وهم كانوا كذلك، أحاطوا بها إحاطةَ التَّاج الذي يلتفُّ برأسِها، فكانوا لها زينًا. كانوا دومًا داعمين وداعمات لها، نِعم السَّندُ والمُتَّكأُ. إنهم جميعًا بمثابة الكافل لليتيم. عن رسول الله ﷺ: ”أَنَا وكَافِلُ اليَتيمِ كَهَاتَينِ في الجنَّة إذا اتَّقى اللهَ عزَّ وجلَّ وأشارَ بالسُّبابة والوُسطى“.

شقَّت طريقَها في الحياة وبلورت طموحاتها، وكأيِّ فتاة في عمرها، كانت لديها آمالٌ تسعى إلى تحقيقها، لتكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعها، تحقِّق ذاتها من جهة، وتسيرُ في ركاب التنمية وبناء الوطن من جهة أخرى.

اختارت المسارَ الطبِّي وتخصَّصت في (طب الأسنان)، فهاجرتْ إلى بلاد مصر سعيًا وراء هذا الهدف المرسوم، تحمَّلت الغُربة وصعوباتها، وُضِعَ الرِّيالُ على الرِّيالِ، وسهرت الليالي وواصلت الأيام حتى وصلتْ إلى المحطة الأخيرة. انتهتْ من دراسة المقررات جميعها النظرية والعملية، وبدأت في تطبيق ما درسته حتى تستطيع اللحاق بهذا الرَّكْب، لتصبح طبيبةً تقدِّم الرِّعاية الصحية لمرضاها، ولكن...

في زَهرةِ شَبابها وفي أَوجِ أناقتِها وفي بَهاء طلعتِها وجمال تفاصيلها؛ شَاءت الأقدارُ أنْ يداهمَها المرضُ على حين غُرة، ومن دون سابق إنذار، ولا علامة تحذير. مرضٌ عُضالٌ أنهكَ جسدَها الغضَّ وتغلغلَ في حناياها، فأصبحت حليفةَ المستشفيات. مراجعة بعد مراجعة، وتشخيص بعد تشخيص. وتنويم بعد تنويم. لـِمَ كلُّ ذلك؟ إنها مشيئةُ الله بعباده؛ فمع أنَّ المرضَ ظاهرُه الوجعُ والألمُ والحزنُ والأسى، إلَّا أنَّ باطنَه الرَّحمةُ والمغفرةُ والرُّضوان. فإذا كانت (الحمَّى) هي نصيبُ المؤمن من جهنم وكفارةٌ لذنوبه فما بالُك بما هو أشدُّ وأكثرُ وجعًا مِنَ الحمَّى؟ عن علي بن الحسين قال: (حُمَّى لَيلة كَفَّارَةُ سَنَة؛ وذلك لأنَّ ألمَها يبَقى في الجسدِ سَنة) [مكارم الأخلاق: ص 358].

وقال رسول الله ﷺ حاكيًا عن الله تعالى: (إذا وجَّهت إلى عبدٍ من عبيدي في بدنه أو ماله أو ولده ثمَّ استقبلَ ذلك بصبرٍ جَميل استحييت منه يوم القيامة أنْ أنصبَ له ميزانًا أو أنشرَ له ديوانًا) [جامع الأخبار: ص 116]. وعن الإمام الرضا قال: ”المرضُ للمؤمنِ تطهيرٌ ورحمةٌ، وللكَافرِ تَعذِيبٌ ولَعنة، وإنَّ المرضَ لا يزالُ بالمؤمنِ حتَّى مَا يَكُونُ عليه ذَنْبٌ“ [مكارم الأخلاق: ص 358]، وعن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول اللّه ﷺ: ”السُّقم يمحُو الذُّنوبَ“ [بحار الأنوار: ج 64 ص 244].

استقبلتْ مرضَها بصبرٍ وتسليمٍ لاجئةً إلى ربها محافظةً على عباداتها حتى إن الخالة اتصلت بي في شهر رمضان قائلةً: نور تسألك عن صيامها؟ إنها تريدُ الصيام ويعزُّ عليها الإفطار، كانت تشعر أنها انتهكت الشهر الكريم بإفطارها، وتجاوزت حكم الله تعالى بوجوب الصيام، مع مرضها، بل مع شدة مرضها! فأجبتها: إنها معذورةٌ شرعًا في الإفطار ولا حرجَ عليها في ذلك، بل لا يجوزُ لها الصيام، لحاجتها إلى تناول الأدوية ومراعاةً لحالتها الصحية الحرجة.

وأما عن صلاتها، ما كانت تتركها حتى وهي على سريرها الأبيض كلما تمكَّنت من ذلك، ما إنْ يأتي وقتُ الصَّلاة حتى تتوجَّه إلى ربها ذاكرةً له مسبِّحةً حامدةً داعيةً لاجئةً إليه، مصليةً على النبي وآله (صلوات الله عليهم أجمعين). كانت تؤدِّي الصَّلاة إلى آخر فريضة (صلاة الصبح) أقامتها في حياتها. وفي هذا درسٌ عام للفتيات (والفتيان) أنْ حافظوا على صلواتكم وعلى صيامكم وعلى عبادتكم؛ فما خلقَنا اللهُ تعالى إلا لذلك: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون) [سورة الذاريات: 56].

وفي وقتٍ كانت والدتها تَتضرَّعُ إلى الله وتَدعوه راجيةً منه راغبةً في شفاء ابنتها، آخر عنقودها، هذه البنت التي نشأت في أحضانها، وفي دلالها، تَأْمَلُ أنَ تتماثلَ إلى الشفاء وتعود إلى البيت بلا داء، لكن مشيئة الله فوق مشيئتنا، ففي صبح يوم الجمعة تُسلِم روحُها إلى بارئها. هذا اليوم المبارك؛ عن الإمام الصادق قال: ”مَنْ مَاتَ مَا بينَ زَوَالِ الشَّمسِ يومَ الخَمِيس إلى زَوَالِ الشَّمسِ مِنْ يَومِ الجُمُعة مِنَ المؤمنين أعاذَه اللهُ مِنْ ضَغْطَةِ القَبر“. [من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، 1/ 138]. وعن أبي جعفر الإمام الباقر : ”مَنْ مَاتَ يومَ الجُمُعَةِ عَارِفًا بِحَقِّ أَهْلِ هَذَا البيتِ كَتَبَ اللهُ له بَراءَةً مِنَ النَّارِ وبَراءَةً مِنْ عَذَابِ القَبْرِ“ [التهذيب، الشيخ الطوسي، 3/3].

(نور) كانت أمُّها تنتظر أنْ تزفَّها عروسًا في الدُّنيا، وشاءَ اللهُ تعالى أنْ يأخذَها إليه راضيةً مرضيةً، طاهرةً مطهرةً، قد خلَّصها المرضُ من ذنوبها ومن هفواتها، وجبرَ ما قد يعتري أعمالها وعباداتها من نقصٍ وقُصور، وإننا اللهَ تعالى نسألُ أنْ يهبَها الثوابَ الموعودَ على لسان النَّبي الأكرم وأهل بيته الكرام مما روايته وصلت إلينا ومما لم يصل؛ وأنْ يتقبلها الله في الصالحين وأن يلحقَها بالنبي الأمين وبالزهراء فاطمة وبأهل البيت أجمعين.

اللَّهم جافِ الأرض عن جبنيها وأصعدْ إليك روحَها، ولقِّها منك رحمةً ورضوانًا.

والحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.