ما هي مراحل توثيق تاريخ الأحساء؟
حينما نستعرض تاريخ الأحساء بشكل منهجي ومتسلسل، كما ينظر له الباحثون والمؤرخون؛ فإننا نستقرئ التحولات لمسميات الأحساء الجغرافية والتاريخية ضمن التسلسل الزمني وحُقَب التاريخ من «هجر - البحرين التاريخية - الأحساء» بين العصر القديم والحديث، ونستنتج أن التوثيق لتاريخ الأحساء مر بمراحل من المتغيرات والأطوار التاريخية المتعاقبة التي تتضح من خلالها أهمية تتبع التحول في مسميات الأحساء؛ للنظر بشمول وعمق لتاريخ الأحساء.
وتوثيق تاريخ الأحساء في أطواره التاريخية مر بمراحل متعددة على النحو التالي:
أولًا: مرحلة الرواية الشفوية «ما قبل التدوين»: في هذه الفترة التاريخية نشأت الرواية الشفوية متأثرة بجغرافيا الأرض كمحرك سردي في القرن الأول الهجري تقريبًا، وكان الاعتماد على المشافهة كأخبار العشائر، والأنساب، والوقائع، وأسماء المواضع، وتناقل هذا التاريخ عبر طرق متعددة منها الشعر الجاهلي والإسلامي، وضمن هذه الفترة ما تناقلته ألسنة الشعراء في شعر العصر الجاهلي عن المشقر؛ فقد ورد اسم المشقر أكثر من عشرين مرة في قصائد ومقطوعات شعرية، ومنها بيت للشاعر أبي ذؤيب الهذلي الذي قال فيه:
حتى كأني للحوادث مروة
بصفا المشقر كل يوم تقرع
وتارة عبر أخبار النسابين وأخرى من خلال روايات كبار السن، ولم يكن في هذه المرحلة كتابة تاريخ محلي، بل حفظ في الذاكرة الجمعية، وهذه المرحلة هي الأساس الذي بُني عليه التدوين اللاحق، لكنها مرحلة تاريخية أكثر عرضة للفقد والنسيان.
ثانيًا: مرحلة التدوين العام غير المحلي: وابتدأت هذه المرحلة التاريخية من القرن الثالث إلى القرن الثامن الهجري؛ إذ ذُكرت الأحساء ضمن كتب التاريخ العام وكتب الجغرافيا والبلدان، ولم يكتبها أحسائيون، بل مؤرخون من خارج الإقليم، وفي هذه الفترة ذكرت الأحساء في الكثير من المصادر باسم هجر أو البحرين والتركيز على المواقع والموارد «العيون - الزراعة» كما كتب في كتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري، وكذلك في كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني الذي توفي 334 ه؛ حيث إنّه وثق بأن هجر مدينة رئيسية في البحرين، وفي كتاب التنبيه والإشراف للمسعودي 346 هـ، وفي كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير 388 هـ، وذكرت في معجم البلدان لياقوت الحموي الذي توفي 626 هـ وذكر أن هجر اسم بلد بالبحرين، وهي أعظم قراها، وقاعدتها، وأهلها أكثر من أهل جميع القرى، ولها نخيل كثيرة، وفي كتاب تاريخ ابن خلدون 808 هـ، وفي كتاب اتعاظ الحنفا للمقريزي 845 هـ.
ثالثًا: بداية مرحلة التدوين الأدبي والاجتماعي المحلي «بدايات التوثيق الأحسائي» في القرن السابع، وأُنتج في هذه الحقبة التاريخية «ديوان علي بن المقرب العيوني» «القرن السابع الهجري»، ويعد من أبرز المراجع الأدبية والتاريخية التي توثق أدب وأحوال المنطقة في تلك الحقبة، حيث سجلت أشعاره وقائع تاريخية دقيقة لإقليم البحرين «هجر» وما حولها، إلا أن هناك ندرة في الكتابة عن تاريخ الأحساء.
رابعًا: مرحلة توسع التدوين المحلي من القرن الثامن إلى الثاني عشر الهجري: في هذه المرحلة وثق العلماء المحليون الأطروحات العلمية والفكرية والفقهية، مع ظهور المخطوطات المحلية، وهذه المرحلة تُعد الفترة الخصبة لما دُوِّن محليًا مثل مخطوط كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال فرغ منه في عام 888 هجري للشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي، ومخطوط المجلي لمرآة المنجي فرغ منه في عام 895 هجري، ومخطوط الرحمة والحكمة في الطب في عام 942 هجري لكاتبه أحمد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي، وهذه مصادر تعكس طبيعة البيئة الدينية والمدارس العلمية والفقهية.
خامسًا: مرحلة التدوين المتأخر لتاريخ الأحساء: وهذه المرحلة تبدأ في القرن الثاني عشر إلى أواسط القرن الثالث عشر الهجري، وفي هذه المرحلة التاريخية برز التوثيق في السجلات الرسمية والوقفيات والمراسلات والسجلات الشرعية العثمانية.
سادسًا: مرحلة البحث الأكاديمي الحديث لتاريخ وتراث الأحساء: وفي هذه المرحلة من القرن الرابع عشر الهجري انتقل التوثيق من السرد التاريخي إلى مرحلة التحليل والتحقيق وظهور مناهج التاريخ المقارن، ورسائل جامعية ودراسات تحقيق ومخطوطات أحسائية، ونقد الروايات التاريخية القديمة، والبحث في المتغيرات التاريخية والجغرافية لتاريخ الأحساء قديمًا وحديثًا، والبحث في مسميات هجر والأحساء والبحرين التاريخية، وضمن هذه الفترة المعاصرة دُوِّن الكثير من الكتب النفيسة ومنها كتاب الحياة الإدارية في سنجق الأحساء العثماني «1871-1913» للكاتب محمد حسن العيدروس، وكتاب الأحساء دراسة جغرافية للكاتب عبد الله أحمد طاهر، وكتاب الآثار الإسلامية بقرية البطالية المنطقة الشرقية: دراسة في آثارها وعلاقتها بمدينة الأحساء التاريخية للكاتب فهد بن علي حسين، وكتاب هجر واحة الشعر والنخيل للكاتب عبد الله الشباط، وكتاب تاريخ هجر دراسة شاملة تأليف عبد الرحمن آل ملا «في جزأين»، وكتاب معجم نساخ الكتب في الأحساء تأليف عبد الله بن عيسى الذرمان «القرن 11-14»، ومن تلك الدراسات كتاب الأحساء في القرن الثاني عشر الهجري وهو رسالة ماجستير للدكتور خلف بن ذبلان الوذيناني.
ومن خلال هذا العرض التاريخي التقريبي والبحث المبدئي لمراحل توثيق تاريخ الأحساء؛ فإننا نخط ونرسم في الأذهان ملامح وتصورًا تقريبيًا لمراحل توثيق تاريخ الأحساء الممتد خلال القرون الماضية، والتي على أثرها تمكن الباحث وطالب العلم والأكاديمي من بناء بحث معمق ودقيق برؤية أوسع تتناول كل تفاصيل هذه المراحل.











