آخر تحديث: 20 / 4 / 2026م - 2:01 ص

ثبات الأصل.. لا جمود الخطاب

الدكتور ماهر آل سيف *

يعاتب بعض الناس المتخصص في الدين، ويقولون: لماذا ما زالت موضوعاته على المنبر تدور حول الصلاة، والصدق، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والحياء، والعدل، وخوف الله؟ وكأنهم يظنون أن قيمة الخطاب في تبديل أصوله، لا في تجديد عرضه، وتطوير أسلوبه، وإحياء أثره في النفوس.

وهنا يحسن أن يُسأل هؤلاء: هل الطبيب غيّر في عيادته أصل حديثه عن الوقاية والعلاج؟ وهل المهندس ترك البناء إلى الزراعة لأن الناس ملّوا الحديث عن الخرسانة والأساسات؟ وهل المعلّم هجر مادته الأساسية لأن الطلاب سمعوها من قبل؟ وهل الأب الصالح يتوقف عن توجيه أولاده لأن النصيحة قديمة؟ وهل الاقتصادي ترك دعوته إلى الاقتصاد، والتوفير، والاستثمار، والنظر إلى المستقبل، لأن الناس سمعت ذلك مرارًا؟ إن الذي يتغير هو الأسلوب، أما الأصل فثابت؛ لأن حاجات الإنسان الكبرى لا تتبدل بتبدل الزمن.

فالقرآن نفسه يعيد الأصول الكبرى في مواضع كثيرة، لأن الإنسان ينسى، ويغفل، وتغلبه الشهوة، وتخدعه الدنيا. قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ، وقال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ . فوظيفة المنبر ليست ملاحقة غرائب الموضوعات، بل غرس الحقائق التي يقوم بها الدين، وتستقيم بها الحياة.

وقد كان النبي ﷺ يكرر المعاني العظيمة؛ لأن التكرار في موضعه تثبيت، لا عجز. وكان يوصي بالتوحيد، والرحمة، والصدق، والأمانة، وحسن الخلق، جيلاً بعد جيل، لأن فساد الناس لا يأتي من قلة ”الجديد“، بل من ضعف العمل بـ ”المعلوم“.

إن المجتمع لا يستغني في أي عصر عن من يذكّره بالصلاة إذا تهاون، وبالأمانة إذا خان، وبالرحمة إذا قسا، وبالعدل إذا جار، وبالتوبة إذا أذنب. فالمنبر ليس مسرح مفاجآت، بل منارة هداية؛ وقد تتجدد اللغة، وتتطور الوسائل، ويتحسن الأداء، لكن يبقى الأصل واحدًا: دعوة إلى الله، وبناء للإنسان، وحراسة للأخلاق.

وقديم الحق ليس بقديم الأثر، بل هو جديد ما دامت النفوس تحتاج إليه.

وخيرُ ما يُختم به:

ليسَ الجديدُ بما يُقالُ زخارفًا
لكنَّهُ ما أيقظَ الأرواحَ والفِكرا

فالحقُّ باقٍ، والزمانُ يغيّرُ الأسلوبَ
أمّا الأصولُ فتبقى النبعَ والذِّكرا