آخر تحديث: 19 / 4 / 2026م - 12:06 ص

كُمُون الموهبة

ملاك عايض اللحياني

يشكّل اكتشاف الموهوبين ورعايتهم أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق التنمية البشرية المستدامة، إذ إن الاستثمار في الطاقات العقلية والإبداعية لم يعد ترفًا تربويًا، بل ضرورة استراتيجية تدعم التقدم العلمي والاقتصادي. ومع ذلك، تواجه الأنظمة التعليمية تحديًا معقدًا يتمثل في ما يُعرف بـ ”فجوة القدرة - الأداء“، حيث يمتلك بعض الطلبة قدرات عالية لا تنعكس في تحصيلهم الأكاديمي أو أدائهم المدرسي.

في هذا السياق، يبرز مفهوم ”كُمُون الموهبة“ بوصفه من الظواهر التربوية الدقيقة التي كثيرًا ما تمر دون ملاحظة. ويُقصد به امتلاك الطالب قدرات عقلية أو إبداعية تفوق المتوسط العمري، لكنها لا تتحول إلى إنجاز فعلي بسبب عوامل نفسية أو بيئية تعيق ظهورها، ما يخلق فجوة واضحة بين الإمكانات الكامنة والأداء الفعلي.

وتشير الأدبيات التربوية إلى أن نسبة ملحوظة من الطلبة ذوي القدرات العالية قد يُصنّفون خطأً ضمن فئات الأداء المتوسط أو المنخفض. فقد بيّنت دراسات Sally M. Reis و D. Betsy McCoach أن ما يقارب 10% إلى 15% من الموهوبين قد يُظهرون انخفاضًا في التحصيل، نتيجة الاعتماد على أدوات كشف تقليدية تركز على الدرجات أو ترشيحات المعلمين، وهي مؤشرات قد لا تعكس القدرات الحقيقية في ظل وجود عوامل كابحة.

وفي السياق العربي، تتسع هذه الفجوة بسبب محدودية المقاييس المقننة التي تستهدف الكشف المباشر عن مؤشرات كمون الموهبة. إذ تعتمد غالبية آليات الكشف المدرسي على التحصيل الدراسي، مما يؤدي إلى إغفال عدد من الطالبات ذوات الإمكانات المرتفعة، خاصة ممن يدرسن في بيئات تعليمية غير محفزة أو تفتقر إلى أساليب تعليم تراعي الفروق الفردية.

ومن الناحية النظرية، تؤكد نماذج معاصرة أن الموهبة لا تُختزل في القدرة العقلية وحدها. فوفقًا لنموذج Joseph Renzulli، تتشكل الموهبة من تفاعل ثلاثي بين القدرة فوق المتوسطة، والإبداع، والالتزام بالمهمة. كما تشير نظرية Albert Bandura إلى أن الكفاءة الذاتية والبيئة المحيطة تلعبان دورًا حاسمًا في تحويل الإمكانات إلى إنجاز. وعليه، فإن ضعف الدعم المدرسي أو غياب الفرص المحفزة قد يعيق هذا التحول، لتظل الموهبة في حالة كمون.

وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات تشخيصية عربية أكثر دقة، تتجاوز قياس التحصيل الظاهر إلى تحليل المؤشرات النفسية والبيئية المصاحبة. كما يصبح من الضروري تبنّي نماذج تفسيرية تدرس أدوار متغيرات مثل جودة البيئة التعليمية، وأساليب التدريس، ومستوى الدعم المدرسي، لفهم أعمق للعوامل التي تحول دون تجلّي الموهبة.

في المحصلة، لا يمثل كمون الموهبة مجرد خلل فردي في أداء الطالب، بل هو هدر صامت لرأس مال بشري ثمين. فالموهبة التي لا تُكتشف قد تتراجع تدريجيًا أو تفقد مسارها الطبيعي في التطور. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في رعاية الموهبة الظاهرة فحسب، بل في القدرة على اكتشاف تلك التي لا تزال تنتظر من يُفعّلها ويحوّلها إلى إنجاز ملموس.