آخر تحديث: 19 / 4 / 2026م - 12:06 ص

تكافل حيّ

حكيمة آل نصيف

رُوي عن أحد أصحاب الإمام جعفر الصادق أنّه قال: «مَرَّ بِنَا الْمُفَضَّلُ، وَأَنَا وَخَتَنِي - الختن: الصهر من جهة الزواج - نَتَشَاجَرُ فِي مِيرَاثٍ، فَوَقَفَ عَلَيْنَا سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَوْا إِلَى الْمَنْزِلِ. فَأَتَيْنَاهُ، فَأَصْلَحَ بَيْنَنَا بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْنَا مِنْ عِنْدِهِ، حَتَّى إِذَا اسْتَوْثَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مِنْ صَاحِبِهِ، قَالَ: أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَالِي، وَلَكِنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ أَمَرَنِي، إِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي شَيْءٍ، أَنْ أُصْلِحَ بَيْنَهُمَا وَأَفْتَدِيَ بِهَا مِنْ مَالِهِ، فَهَذَا مِنْ مَالِ أَبِي عَبْدِ اللهِ » [الكافي، ج 2، ص 209].

العلاقات الإنسانية تحتاج إلى دعائم ومقومات من أجل صلاحها وديمومتها بأسلوب إيماني، وبالتالي إيجاد أفراد يُشكِّلون مجتمعًا صالحًا تربطهم روابط الحب في الله عز وجل، وتتعمق هذه العلاقة الطيبة حتى تُشكِّل الجسد الواحد، ولكن من المعروف أن هذه الحياة قد تُنغِّصها وتُكدِّرها طوارق الزمن من مشاكل وأحداث يمرّ بها الفرد، وتحتاج إلى مواقف إيمانية وإصلاحية.

قد يعتقد البعض أن الإصلاح يكون بالموعظة والنصيحة وتقديم الإرشاد، ولكن في الحقيقة قد لا يكفي هذا السلوك في حلّ الكثير من المشكلات والتوترات؛ فحتى وإن هدأت النفوس بالكلمة الطيبة نرى أن بعض الشخصيات يكون تأثير الكلمة عندها مؤقتًا، فتحتاج إلى حلّ جذري ينتشلها مما تعانيه.

وهنا نقف عند هذا النص المروي عن إمامنا الصادق ، حيث يظهر أن إصلاح النفوس والبعد عن الخصومات والمنازعات قد لا تكفي فيه الكلمة الإرشادية وحدها، بل قد نحتاج إلى البذل المالي من أصحاب المواقف الإصلاحية، وممّن لهم شأن وكلمة مسموعة في المجتمع.

فكم نزاعات في قضايا الأموال والميراث والديات يعجز أصحابها عن تقديم ما يخفف عنهم حدة المشكلة، فيعيشون حالة من الخصومة والنزاع الطويل قد تصل إلى العداوة وقطع العلاقات الاجتماعية والأسرية، ولكن عندما يتدخل أصحاب العقول النيرة ويقدّمون حلولًا جذرية لقطع دابر النزاع وإطفاء حدة الخصومة، نرى أهل الخير يمدّون أيدي المساعدة المادية والمالية ويقدّمونها في سبيل فكّ النزاع وتهدئة النفوس.

وهنا نقف عند مبدأ من مبادئ التكافل والتآزر المجتمعي: حفظ الأخوّة الإيمانية ووحدتها، فيصبح للمال قيمة عظيمة، فليست قيمته في الجمع والكنز، وإنما في اتخاذه وسيلة لتحقيق الإصلاح والسلام المجتمعي.

ومن يسعى لذلك يمتلك روحًا إيمانية تعلم يقينًا بأن هذه الأموال التي بين يديه إنما هو مؤتمنٌ عليها من الله عز وجل، وله أن يتصرف فيها بما يرضي الله تعالى، ويجعله عند الله عز وجل وعند الناس وجيهًا بأخلاقه وتصرفاته الإيمانية.

ولو استقرأنا النص السابق لوجدنا أن المفضّل - وهو من أصحاب الإمام الصادق - يبيّن لنا أن هذه الأموال هي أموال الإمام ، وهو مأمور بصرفها فيما فيه صلاح الناس وخيرهم، وهذا ترسيخ لمبدأ صلاح المجتمع: أن نبذل من أجله الوقت والجهد والنصيحة والبذل المادي إن استطعنا.

وهذا السلوك الإصلاحي المادي - بذل المال في سبيل قطع الخصومة - هو سلوك ناتج عن نفسٍ كريمة تمتاز بصفة الإيثار والعطاء، فمن يقدّم ماله الخاص لحلّ المشكلات وقطع الخصومة بين المؤمنين دون مقابل ولا هدف له مادي من الآخرين، فإن هدفه أسمى من ذلك، وهو المتاجرة مع الله عز وجل، فلا ينتظر إلا رضاه والقرب منه.