آخر تحديث: 16 / 4 / 2026م - 9:46 م

تجريد الضيف من إنسانيته..!

الدكتور محمد المسعود

التشيؤ.. مفردة مزدحمة الدلالة والأحمال، أنتجها الفيلسوف إيمانويل كانط؛ حين جعل ما هو غير بشري وسيلةً، وتتحدد قيمته في الاستخدامات الوظيفية له. وجعل للجنس البشري قيمة ذاتية له، بعيدًا عن أي اعتبارٍ آخر.

القيمة الذاتية لك كضيف سقطت لدى قوم مسرّحو الضيافة؛ فتتحول أنت إلى شيء… جزء من المشهد المسرحي العام الذي يتضاءل فيه حجمك ودورك، وبالتالي قيمتك فيه!

من استضافك، استضاف قبلك عشرات العدسات لتلتقط وصولك إلى العتبة الأولى من كرمه، وتسير في طريقك نحو بابه، وتتقدم عليك لتنقل لأعين الناس الأطباق السخية الباذخة التي تكرم بها عليك، والتي أولم عليها عيون الناس قبلك!

الشيء الذي هو أنت… تتحول إلى مادة بشرية يقع عليها فعل الكريم، فتتقبلها على رؤوس الأشهاد. كل لقمة ترتفع تُرصد، كل طبق تُصوَّر تفاصيله، ويُجلى نوعه، ويُجاهرُ بالثناء عليه!

الضيافة لك… جرّدتك من قيمتك الذاتية وإنسانيتك، وحوّلتك إلى خلفية دعائية لكرم وجود وسخاء من استضافك!

لهذا لا أحد يستأذنك للتصوير…

ولا أحد يطلب إذن النشر…

ولا أحد من فريق التصوير المتخصص في الدعاية والإعلان عن كرم المضيف يضع اعتبارًا للضيوف في احترام وإجلال أشخاصهم، وعدم تصويرهم وهم على الطعام، وعدم الرياء والمباهاة بالطعام أو بمن دُعي إليه!

مع هذا الرياء المرَضي المُعدي، بات من المهم على مستوى التقدير لنفسك أن تتعرف في البداية وقبل قبولك للدعوة:

هل ستُحوَّل إلى شيء يُكمِل رسم صورة الكرم الباذخ لمن دعاك؟

أم هي دعوة لك أنت بشخصك وذاتك وقيمتك الشخصية؟ ولن تجد صورك لاحقًا تُنشَر تحت عناوين «ضيوف الكريم المِفضال، صاحب الهبات والعطايا»، وتتبدى كأنك ممن أطعم في ﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: 14]!

وصيتي لك…

لا تكن خلفية لصورة رياء الظهور.

وارتفع عن كل مائدة سبقك إليها عدسات الرصد والتصوير.

ولا تُهِن نفسك، ولا تنحدر بقدرها عندك، ولا تخفض كرامتها لصاع من أرز وكراع من شاة.

من أخلاق العرب أنها كانت تنسب الفضل والتفضل للضيف لقبوله الضيافة، وترى أنه نزل من رفعة قدره إليها، وكأنه دائمًا أرفع منها. وكانت تشعل النار ليلًا ليهتدي بنورها العابرون إلى مضارب الضيافة؛ وأنها مبذولة إليه، دانية بنعيمها له. وأن المضيف الباذل لا يذكر طيلة عمره لأحد أنه ساق طعامًا لأحد على سبيل الفخر أو التفضل، أو الكرم والجود.

إننا نشوّه كل شيء جميل فينا، ونُفسد أفضل ميراث ورثناه، ونُدنس أطهر صفاتنا: الكرم الطاهر من الغرض، والبذل المتعفف عن الأنا، والعطاء المترفع عن الثناء على النفس!