ظلم خفي بين الأرحام
يعتقد البعض أن الظلم لا يتحقق إلا حين تُصادر الحقوق أو تُسلب من أصحابها بصورة مباشرة، وهذا صحيح من حيث الأصل؛ فالسلب الواضح للحق ظلمٌ بيّن لا يختلف عليه أحد. غير أن هناك نوعًا آخر من الظلم، أكثر خفاءً وأشد أثرًا، قد يتلبس صاحبه بلباسٍ يخفي حقيقته، وهو منع وصول الحق إلى أصحابه أو تعطيله. فحين يُؤخَّر الحق عن وقته المشروع، وتُوضع العراقيل أمامه، ويُدفع أصحابه إلى سنواتٍ من الانتظار أو إلى أبواب المحاكم، فإن هذا لا يعني أن الحق قد أُعطي، بل يعني أنه مُنع، ولم يُسلَّم إلا تحت ضغطٍ وإكراه.
إن إعطاء الحق مكرهًا بعد طول تعطيل لا يرفع وصف الظلم، بل يكشف صورةً من صور الظلم الخفي، الذي قد لا يُرى بوضوح، لكنه يترك آثاره في النفوس والعلاقات. ولذلك كان التحذير القرآني شاملاً لهذا المعنى، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف، ا 85]، فالبخس لا يقتصر على إنقاص الحق أو أخذه، بل يشمل تعطيله، أو المماطلة في أدائه، أو منعه من الوصول إلى أهله في الوقت الذي ينبغي أن يصل فيه.
ومن هنا فإن إطالة أمد إيصال الحقوق، وافتعال العوائق غير المبررة، ليس مجرد تأخيرٍ عابر، بل هو منعٌ لوصول الحق إلى أصحابه، وصورةٌ من صور الظلم الخفي الذي ينبغي أن يحذر الإنسان من عاقبته، وأن يراجع نفسه قبل أن يلقى الله وقد حال دون وصول الحق إلى أهله.
وفي بعض الحالات لا تقف المعركة بين الأرحام عند حدود البعد المادي، بل تتجاوزه إلى بُعدٍ وجداني أعمق وأشد أثرًا. فبدل أن يكونوا مجتمعين يصبحون متفرقين، وبدل أن يكونوا متحابين يتحولون إلى متباغضين، وبدل أن يكونوا متواصلين يصبحون منقطعين. وهنا لا يقتصر الخطر على المال فحسب، بل يمتد ليصيب البنية الوجدانية للإنسان في أبعادها المختلفة.
ففي الجانب الذهني تتشكل أفكار مشوشة تجاه الطرف الآخر، تُفسَّر فيها التصرفات على أسوأ الاحتمالات، فيتغذى سوء الظن ويترسخ داخل الوعي. وفي الجانب النفسي تتولد مشاعر الاحتقان والتوجس، وتتراكم الانطباعات السلبية التي تُثقل النفس وتدفعها إلى قراءة كل موقف قراءة متوترة. أما فيما يرتبط بالقلب الوجداني فتتكون أحقادٌ خفية وجروحٌ عاطفية عميقة، تُطفئ مشاعر المودة، وتستبدلها ببرودٍ وجفاءٍ يصعب تجاوزه.
وبذلك تتحول المعركة من نزاعٍ مادي محدود إلى تشويهٍ وجداني شامل، يشوش الذهن في حكمه، ويصيب النفس باضطرابها، ويثقل القلب الوجداني بأحقاده، فتُصاب العلاقة الرحمية في عمقها، وتبقى آثار هذا التمزق ممتدة حتى بعد انتهاء الخلاف المادي.
يتطلع الإنسان بطبيعته إلى أن يُحاط بأرحامٍ تربطه بهم علاقات المودة والرحمة والمحبة، ليشعر بينهم بحضنٍ دافئ، وبأمانٍ يقيه نوائب الدهر. غير أن الواقع يكشف أحيانًا مشاهد مؤلمة، يتحول فيها الرحم إلى شوكٍ جارح، حتى يجد الإنسان نفسه أكثر اطمئنانًا مع من لا تربطه بهم علاقة نسب، بينما يخشى من بعض أرحامه، ويتوجس من وطأة ظلمهم، سواء كان ظلمًا ظاهرًا أم خفيًا.
وكم يزداد الألم حين يكون هذا السلوك صادرًا عن أناسٍ يبدو عليهم الالتزام والتدين، ويُشاد بعلمهم وفكرهم بين الناس، لكنهم يسقطون في مستنقع الظلم الخفي، ويبررون لأنفسهم ممارساتٍ لا تنسجم مع القيم التي يدعون إليها. وحين يُنبهون إلى خطورة ما يفعلون، يتحقق في بعضهم قول الباري عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة، 206].
إن مثل هذه المشاهد المؤلمة لا تعكس حقيقة المجتمع الإيماني، وإنما تمثل نقاطًا سوداء تشوه صورته. ومن هنا تبرز مسؤولية المصلحين في المجتمع؛ إذ ينبغي أن يوجهوا الناس إلى خطورة الظلم، وأن يقفوا بوضوحٍ في وجه كلِّ من تُسوِّل له نفسه إيقاع الظلم بالآخرين، فلا يداهنوه، ولا يتعاطفوا معه، سواء في النزاعات الرحمية أو غيرها من صور الاعتداء التي يندى لها الجبين في مجتمع يُفترض أن يقوم على قيم الإيمان والعدل.
وليتجسد في هذا الموقف ميزان العدالة الذي عبّر عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ”
“ بقوله: «القويُّ عندي ضعيفٌ حتى آخذ الحقَّ منه، والضعيفُ عندي قويٌّ حتى آخذ الحقَّ له».
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقوق امتحانًا أخلاقيًا قبل أن تكون مسألة قانونية، ويبقى الرحم أمانةً إلهية لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة نزاع. فالمال يزول، والإنسان يرحل، ولا يبقى إلا الأثر: إمّا صلةٌ تُكتب في صحيفة الأعمال، أو قطيعةٌ تُثقِل الميزان. فليحذر الإنسان أن يقف بين يدي الله وقد حفظ حقًا وضيع رحمًا، أو تمسك بمالٍ وترك وراءه جراحًا لا تندمل، أو كان سببًا خفيًّا في تمزيق الرحم بسبب منعه لوصول المال إلى أهله.
إن إعطاء الحقوق في وقتها، بروحٍ من المودة والعدل، هو الطريق الأقصر لحفظ الأرحام، وهو السبيل الذي يجمع بين العدل والرحمة، ويصون المجتمع من معارك كان يمكن أن تُطفأ بكلمة حقٍّ، وصدق نية، وخشيةٍ من الله.











