آخر تحديث: 16 / 4 / 2026م - 11:08 م

الجار قبل الدار

محمد يوسف آل مال الله *

في زحام الحياة وتسارعها، قد تتحول البيوت إلى جزرٍ منفصلة، رغم أنّها متجاورة في الجدران، متباعدة في القلوب. وهنا يأتي صوت الإسلام ليعيد ترتيب الأولويات، لا من حيث المكان، بل من حيث المعنى؛ فليس المهم أين تسكن، بل كيف تسكن… ومع مَنْ تسكن.

لقد رفع الإسلام من شأن الجار حتى كاد أن يجعله شريكًا في تفاصيل الحياة، لا مجرد عابرٍ في محيطها. يروى عن النبي ﷺ أنّه قال: ”ما زال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورّثه“، في إشارة عميقة إلى أنّ العلاقة مع الجار ليست علاقة حدود، بل علاقة حقوق تمتد في ضمير الإنسان.

ففي مدرسة أهل البيت ، يتجلّى هذا المعنى بصورة أكثر وضوحًا وعمقًا. يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق : ”ليس منّا مَنْ لم يُحسن جوار مَنْ جاوره“، وكأنّ الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالسلوك اليومي الذي يترجم القيم إلى أفعال. ويؤكد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب هذا البعد بقوله: ”الله الله في جيرانكم، فإنّهم وصية نبيكم“، لتصبح رعاية الجار مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون واجبًا اجتماعيًا.

إنّ حقوق الجار في الإسلام لا تقف عند حدّ ”عدم الأذى“، بل تتجاوزها إلى فضاء الرحمة والمبادرة والصبر على أذاه. أن تكفّ أذاك، نعم… لكن أن تحمل همّه، تلك هي الدرجة الأعلى. أن تحفظ خصوصيته، لكن أيضًا أن تطرق بابه إذا غاب، وتسأل عنه إذا تأخر، وتشاركه فرحه، وتخفف عنه حزنه. هنا يتحوّل الجوار من جغرافيا إلى إنسانية.

غير أنّ هذه القيم، مهما بلغت عظمتها، تبقى حبيسة النصوص إن لم يحرّكها وعي حيّ. فالوعي هو الذي ينقل الإنسان من دائرة ”أنا لا أؤذي“ إلى أفق ”أنا أُحسن“. هو الذي يجعلك تبادر بالسلام، وتبادر بالسؤال، وتبادر بالفعل قبل أن يُطلب منك. الوعي لا يكتفي بأن تكون جارًا صالحًا، بل يدفعك لأن تكون سببًا في صلاح البيئة من حولك.

ولعل التاريخ الإسلامي يقدّم لنا صورة ناصعة لهذا الوعي المتجسّد، ففي ما نُقل عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين ، الذي كان يخرج ليلًا يحمل الطعام إلى بيوت الفقراء، ومن بينهم جيرانه، دون أن يعرفوه. لم يكن يرى في الجوار مجرد قربٍ مكاني، بل فرصةً للعطاء الخفي، ومسؤوليةً لا تنتظر شكرًا ولا ثناءً.

اليوم، ونحن نعيش في عالمٍ تتسع فيه المسافات النفسية رغم ضيق الأمكنة، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة هذا الوعي. أن نعيد للجار حضوره في حياتنا، لا كاسمٍ في قائمة، بل كقيمةٍ في القلب. أن نعلّم أبناءنا أنّ الجار ليس ”شخصًا بجانبنا“، بل ”أمانة لدينا“.

فالمدن لا تصبح إنسانية بكثرة أبراجها، بل بعمق علاقاتها. والمجتمعات لا تُقاس بتقدّمها المادي فقط، بل بقدرتها على صناعة الدفء بين أفرادها.

في النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي غابت عن كثيرين:

ليس الجار مَنْ يسكن بقربك، بل الجار مَنْ يسكن فيك.

نسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم ممن يُحسن الجوار.