آخر تحديث: 15 / 4 / 2026م - 10:55 م

رشفة ثقافية مع أبي علي.. الفكاهة والهزل في الشعر القديم «1 من 4»

أحمد رضا الزيلعي *

توطئة:

الفكاهة «الظرف» عند العرب الأقدمين جزءٌ لا يتجزأ من حياتهم اليومية؛ إذ تعددت وتنوعت أشكالها لتشمل الشعر والنثر والقصص والحكايات. لم تكن الفكاهة مجرد وسيلة للتسلية والترفيه لدى العربي القديم، بل كانت أداة للتعبير عن الآراء والمشاعر، ونقد المجتمع، وتوثيق الأحداث التاريخية وكانت وسيلة للخروج من المآزق والمواقف المحرجة في الكثير من الأحيان.

خصائص الفكاهة العربية:

تميزت الفكاهة العربية القديمة بالعديد من الخصائص، منها:

• البلاغة والفصاحة: كان العرب يشتهرون بقدرتهم على استخدام اللغة ببراعة، وقد استخدموا هذه القدرة في الفكاهة لخلق تأثيرات مضحكة ومؤثرة.

• السخرية والنقد الاجتماعي: لم يتردد العرب في استخدام الفكاهة لانتقاد العادات والتقاليد والأشخاص الذين يرونهم غير مناسبين وبرعوا في توظيف المقامات في السخرية كأمثال مقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني، باستخدام: التورية واللعب بالألفاظ والمبالغة في تضخيم الأحداث.

• القصص والحكايات: كانت القصص والحكايات الفكاهية شائعة في المجالس والأسواق، وكانت تستخدم لإضفاء جو من المرح والبهجة.

• الشعر الفكاهي: كان الشعر الفكاهي من أكثر أشكال الفكاهة شيوعًا، وقد استخدم الشعراء الفكاهة للتعبير عن مختلف جوانب الحياة، من الحب والغزل إلى السياسة والمجتمع.

ظهور الشعر الفكاهي:

وبدأ ظهور هذا النوع من الشعر في العصر العباسي ليكون وسيلة للترفيه والإضحاك والتسلية إذ يتطلب هذا الشعر الذكاء والنباهة وسرعة البديهة فضلًا عن النوادر اللاذعة:

• التعريف: كان العرب القدماء يشتهرون بالنوادر - وهي قصص قصيرة ومضحكة تهدف إلى إضحاك المستمعين.

• المناسبات الاجتماعية: كانت الفكاهة تستخدم في المناسبات الاجتماعية، مثل الأعراس والاحتفالات، لإضفاء جو من المرح والبهجة.

• الحكمة: لم تخل الفكاهة العربية القديمة من الحكمة، فكثيرًا ما كانت القصص والحكايات الفكاهية تحمل في طياتها دروسًا وعبرًا.

وقد تركت لنا تلك الفترة الزمنية العديد من الأمثلة على الفكاهة العربية القديمة، مثل قصص جحا وأشعار أبي نواس، والتي لا تزال تثير الضحك والمتعة حتى يومنا هذا.

خصائص الشعر الفكاهي:

• خصائص الشعر والأدب الفكاهي:

يتميّز أدب الفكاهة والهزل بالخصائص الآتية:

• الخفة والظرافة

• ذكاء صاحب الفكاهة؛ - النظر الثاقب من قِبل الفكاهيّ

• الموهبة الأصيلة؛ لتكون فكاهته خفيفة لطيفة من دون تصنُّع.

أنواع الفكاهة والهزل

تنوّعت أساليب الفكاهة والهزل في الأدب العربي، فإما أن تكون فظّة لاذعة، أو لطيفة رقيقة ناعمة والفكاهة أنواع وأشكال متعددة وهي كما يلي:

1. الظَّرْفُ: الظريف مأخوذ من الظرف الذي هو الوعاء فكأنه وعاء لكل لطيف وقد يقال ظريف لمن حصل فيه بعض هذه الخصال ويقول الكسائي الظريف الحسن الوجه واللسان. والظرف يعتمد على خلفية ذهنية، وخبرات في الحياة اليومية، والظرف يجعل الناس يضحكون فجأة على عكس الفكاهة التي تركّز على رسم الابتسامة.

وسوف يكون حديثنا مقصورًا على الشعر وما ورد في قصائد الشعراء من ظرف وتهكم وتندر ومن ذلك

2. التهكّم: عند التهكم يحرص القاصُّ على إظهار الضعف الإنساني ويضخّمه ليجعله موقفًا مضحكًا، ويحاول المتهكم أن يعالج الحماقة من خلال إضحاك الناس عليها.

3. السخرية: أقسى من التهكم لأنها تعتمد لغة لاذعة، السخرية من مادة «س خ ر» وأصل التسخير: التذليل، جاء في اللسان: سخرته: أي قهرته وذللته.

تاريخ الفكاهة

الفكاهة كانت ولا تزال من أعرق الفنون التي يضمها علم العرب كما كان يسمى في صدر الإسلام أو الآداب كما أطلق عليه منذ القرن الثاني الهجري وتغير الحال في القرن الثالث الهجري حيث صارت الآداب تطلق على فنون المنادمة وما تفيض به من الفكاهة والهزل والظرف والسخرية وأسباب الطرب وقد ألف كشاجم الشاعر كتابه أدب النديم وأودعه كما قال ما لا يستغنى عنه ولا يجوز أن يخل به ظريف. وظهرت طائفة أخرى من مشاهير العلماء في فجر الإسلام وضحاه قد ألَّفوا في هذا الباب ومنهم

• الجاحظ وما كتبه عن البخلاء والطفيليين
• الخطيب البغدادي في كتابه «التطفيل»
• والحصري القيرواني صاحب زهر الآداب في كتابه «جمع الجواهر في الملح والنوادر»
• وعبد الملك الثعالبي صاحب اليتيمية في كتابه «غرر النوادر» و«من غاب عنه المطرب»
• وأبو سعيد السلامي في كتابه «نتف الظرف»
• والمرزباني صاحب الموشح في كتابه «المستطرف»
• ثم الحافظ العلامة ابن الجوزي في كتابه «أخبار الظراف والمتماجنين»

والحق أن هذه الكتب لا تخلو إلى جانب الفكاهة من الفوائد العلمية والأدبية بل انها تمثل سجلًا صادقًا بتاريخنا السياسي والاجتماعي على وجه الخصوص.

خاتمة

الظريف والظرف يجعل الناس يضحكون فجأة على عكس الفكاهة التي تركّز على رسم الابتسامة. وسوف يكون حديثنا مقصورًا على الشعر وما ورد في قصائد الشعراء من ظرف وتهكم وتندر ومن ذلك ما جاء على لسان أحد الشعراء أبي نواس في هجائه لبني تميم وتعييرهم بأنهم يأكلون الضب الذي يدل على الفقر والمسغبة ولا يتلاءم مع ما يدعون من مفاخر الحياة قال:

أَلا حَيِّ أَطلالاً بِسَيحانَ فَالعَذبِ
إِلى بُرَعٍ فَالبِئرِ بِئرِ أَبي زُغبِ

تَمُرُّ بِها عُفرُ الظِباءِ كَأَنَّها
أَخاريدُ مِن رومٍ يُقَسَّمنَ في نَهبِ

إلى أن يقول:

إِذا ما تَميمِيٌّ أَتاكَ مُفاخِراً
فَقُل عُدِّ عَن ذا كَيفَ أَكلَكَ لِلضَبِّ

تَفاخُرُ أَبناءَ المُلوكِ سَفاهَةً
وَبَولُكَ يَجري فَوقَ ساقِكَ وَالكَعبِ

ومن الساخرين العظماء الذين نبغوا في العصر العباسي وذاع صيته وهو من أهم مصادر الفكاهة والسخرية في التراث العربي «ابن الرومي» ومن سخريته قال يصف الشاعر البحتري:

البُحْتُريُّ ذَنُوبُ الوجهِ نعرفُهُ
وما رأينا ذَنُوبَ الوجه ذا أدبِ

أَنَّى يقولُ من الأقوال أَثْقَبَهَا
من راح يحملُ وجهاً سابغَ الذَنَبِ

أوْلى بِمَنْ عظمتْ في الناس لحيتُهُ
من نِحلة الشعر أن يُدْعَى أبا العجبِ

وحسبُه من حِباءِ القوم أن يهبوا
له قفاهُ إذا ما مَرَّ بالعُصَبِ

ما كنت أحسِبُ مكسوَّاً كَلحيته
يُعفَى من القَفْدِ أو يُدْعى بلا لقبِ

جحظة البرمكي أحد الظرفاء العصر العباسي البارزين يُحبُّ المجالسة والمؤانسة: «أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك.. 224 هـ - 324 هـ» ومن لَقَّبه ”بجحظة“ ابن المعتز ولقد كان فقيرًا - على عكس أجداده البرامكة - وكان أديباً وكاتباً وراويةً وشاعراً وكان معمراً. ومما يروى عنه أنه قال: قالبًا قصيدة الفرزدق المشهورة في مدح الإمام علي زين العابدين قال:

وَقائلٍ قالَ لي مَن أَنتَ قُلتُ لَهُ
مَقالَ ذي حِكمَةٍ وَاتَت لَهُ الحِكَمُ

لَستُ الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ
وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ

أَنا الَّذي دينُهُ إِسعافُ سائِلِهِ
وَالضُرُّ يَعرِفُهُ وَالبُؤسُ وَالعَدَمُ

أَنا الَّذي حُبُّ أَهلِ البَيتِ أَفقَرَهُ
فَالعَدلُ مُستَعبِرٌ وَالجَورُ مُبتَسِمُ

انتهى الجزء الأول....

• هذه السلسلة من إعداد الأستاذ القدير يوسف ناشي أحمد ناشي الفار

المهنة: متقاعد

الخبرات: بكالوريوس تاريخ من جامعة الملك سعود سنة 1402 ه‍ موظف في وزارة الإعلام 1403- 1435 ه‍ في الرقابة الإعلامية - الكتب - الصحف والمجلات - إدارة النشر - الإدارة العامة لحماية حقوق المؤلف
مهندس مشروع والتخطيط - مدير مشروع معتمد من PMI