القطيف أصل ”اللوز“
تعد واحة القطيف من أقدم الواحات الزراعية في شرق الجزيرة العربية، وقد ارتبط تاريخها المبكر بكثرة عيونها الطبيعية النبّاعة التي تجاوز عددها 360 عينًا، وشكلت أساس الاستقرار الزراعي فيها منذ عصور قديمة، ومع مرور الزمن أُنشئت حول هذه العيون مرافق مائية ومعمارية، من أبرزها حمّام أبولوزة في سيحة البحاري، الذي يرجح أن يعود بناؤه إلى القرنين الخامس أو السادس الهجريين، أي قبل أكثر من 800 عام.
أما عن تسميته، فلا محالة أنه يرجح تفسيرين بارزين، أولهما أن قبة الحمّام جاءت على شكل اللوزة، في دلالة معمارية مهمة، وثانيهما ارتباط موقعه بكثافة وجود أشجار اللوز التي شهدها حتى الجيل الحالي، وهكذا الحال نفسه حين يستلهم من الطبيعة فنون نقش الزخارف الجصية والأقواس ”اللوزية“ في المباني التاريخية لتصبح ”اللوزة“ جزءًا من هويتها وعمارتها وبيئتها.
وقد حضر ”اللوز“ في الوجدان الأدبي القديم، حيث كتب الشاعر أبو البحر جعفر بن محمد الخطي القطيفي المتوفى عام 1028 هـ / 1619 م، أي قبل حوالي 400 عام، ويُعد من أبرز شعراء القطيف أبياتًا تنبض باللوز والجمال يقول فيها:
ولَمَّا اكْتَسَى اللَّوزُ الحَسِينُ مَطَارِفاً
جدايدَ من أَثْوابِهِ السُّندُسيَّةِ
أَشَارَ بِأَغْصَانٍ كأنَّ فُرُوعَهَا
أَكُفٌّ تَصَدَّتْ للدُّعَاءِ ومُدَّتِ
وفي بيت آخر يفيض عشقًا:
كأنَّمَا اللَّوزُ إذْ أودَى الشِّتَاءُ بِهِ
فَظَلَّ يحمَرُّ مِنهُ أخْضَرُ الوَرَقِ
عَذْرَاءُ في حُلَّةٍ خَضْرَاءَ فَاجَأَهَا
خَوفٌ فَحَاضَتْ فَغَشَّاها من العَلَقِ
فلم يكن هذا الحضور التاريخي والأدبي منفصلًا عن الواقع الزراعي، إذ عُرفت واحة القطيف قديمًا وحديثًا، بموقع ثابت يقوم على التميز والريادة، حيث شكلت الزراعة فيها هويةً متوارثة، وأرضًا طيبةً خصبة امتدت خيراتها إلى مختلف مناطق المملكة ودول الخليج العربي، ويكفيها فخرًا أنها أصل ”النخلة“.
وانطلاقًا من أهمية التوثيق والتدوين العلمي للمنتجات الزراعية القطيفية، تبرز الحاجة إلى رصد واقع انتشار اللوز وتأكيد ارتباطه الجغرافي والتاريخي بواحة القطيف؛ بما يسهم في حفظ هذا الإرث الزراعي من التلاشي أو الالتباس مع توسع زراعته في مناطق أخرى، ومن ثم نسبته إليهم بمسميات مختلفة.
ورغم أن القطيف اليوم تزخر بالكثير من المشاتل الزراعية، والمزارع والمزارعين المنتجين لأشجار اللوز القطيفي بمختلف أصنافه" البلدي، الألماني، السكندري، قوس قزح… إلخ؛ وقد أطلق المزارعون أنفسهم هذه المسميات كتمييز لمنتجهم.
وفي هذا السياق، عملت على تنفيذ استطلاع لعامي «1446 هـ و 1447 هـ» شمل عددًا من المزارعين المهتمين ببيع وتوزيع اللوز وشتلاته، بهدف رصد حجم الإنتاج والتداول، ومسارات البيع والتصدير.
ومن بين من شملهم الاستطلاع المزارع المعروف بزراعة وبيع اللوز القطيفي جواد السلطان من بلدة القديح المعروف بـ ”أجاويد“ الذي أكد لي بيع ما يقارب 2400 ”قضب“ شتلة لوز ”لخارج القطيف“ خلال العام الماضي والحالي، كما أفادني المزارع المتمرس وذو الخبرة الزراعية محمد صقر الثواب من بلدة الجش، ببيعه لخارج القطيف نحو 3000 شتلة لوز خلال عامين، أما المزارع البارز حسن علي السلطان من بلدة الجارودية فقد أفاد ببيع أكثر من 3000 شتلة لوز، في مؤشر يعكس تنامي وكثرة الطلب واتساع رقعة الانتشار، وجودة المنتج.
وقد اتفقوا على أن المشترين من مختلف مناطق المملكة وأكثرها طلبًا ”الأحساء“ أما بالنسبة إلى دول الخليج العربي فأغلب المبيعات كانت إلى قطر وعُمان، تليهما البحرين، والإمارات، والكويت، إضافة إلى العراق، وهو ما يؤكد التفرّد المتجذر والمكانة الزراعية.
ومع هذا الواقع، تبرز أهمية التوثيق بوصفه أداةً لحفظ السياق التاريخي، وتأكيد الريادة الأولى لهذا المنتج؛ بما يؤكد نسبته إلى القطيف، ويحفظ حقها بوصفها حاضنةً زراعية له.
إن هذا المقال المتواضع لا يهدف إلى الحصر بقدر ما يسعى إلى تثبيت الحقيقة في مرحلة مهمة من انتشار اللوز القطيفي ومنتجاته التحويلية؛ لتبقى شاهدةً على ريادة زراعية أصيلة لا تنفصل عن تاريخها ولا عن هويتها.











