آخر تحديث: 15 / 4 / 2026م - 10:53 م

معالجة فكرية وسلوكية «2»

ورد عن الإمام جعفر الصادق : «مَن ذهب يرى أن له على الآخر فضلًا فهو من المستكبرين» [الكافي، ج 8، ص 128].

هذا الحديث يعطي صورة جلية لمفهوم التكبّر، وأنه يتجاوز الصورة الظاهرية لأفعال الإنسان وتصرفاته، إذ يضع معيارًا دقيقًا للغاية في فهم حقيقة التكبر والتلبّس به، ويكشف عن جذوره العميقة والضاربة في النفس من خلال تلك النظرة الداخلية للإنسان تجاه غيره، والتي تتّسم بالاستصغار والدونية واستقزام الآخرين، فتضخم الذات عنده ناشئ من وهم واعتقاد التفوق على الآخرين وامتلاك المؤهلات والقدرات بنحو أفضل وأكفأ من الآخرين، سواء كان ذلك على مستوى العلاقة بالله تعالى والتعبد له والتقرب إليه، أو على مستوى الملكات والقدرات العلمية والنبوغ، أو على مستوى المكانة الاجتماعية وما يحوزه من رضا ومقبولية بين الناس، وهذه النظرة الدونية هي بداية الانزلاق نحو الاستكبار حتى وإن لم يُترجم إلى سلوك علني، وبالطبع فإن موازين تقييم الآخرين يصيبها الاختلال والاضطراب وتآكل روح العدالة وحفظ الحقوق؛ وذلك أن الإنسان المتكبر لا يرى الآخرين على قدم المساواة في الكرامة الإنسانية.

وفي الجانب الروحي والأخلاقي، فإن التكبّر يشكّل حاجبًا ومانعًا من بلوغ الإنسان للحقائق والألطاف الإلهية وإدراكها، فهذه الهبات الرحمانية تتطلب معرفة صادقة بالله تعالى ومعرفة ضعف النفس البشرية، بما يستلزم انكسارًا داخليًا وشعورًا دائمًا بالحاجة إلى الله تعالى والافتقار إلى تدبيره وتسييره لشئون حياته، وما هذه الهبات الإلهية إلا جزء من سنة الابتلاء والاختبار الإلهي للإنسان، وأما عقد المقارنات وجعلها أساسًا للتفاضل والتمايز فهو وهم وضرب من تزييف الحقائق، فإن أساس التمايز الحقيقي — والذي تظهر آثاره جلية يوم القيامة — هو التقوى والخشية من الله تعالى وتجسّدها على أرض الواقع، ومن صور تجسّدها روح التواضع التي تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين على أساس العبودية لله تعالى، فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله تعالى ازداد إدراكًا لضعفه الوجودي، وهذه المعرفة تجذّر روح التواضع والانكسار في النفس أمام الحقيقة.

والمنشأ النفسي لروح التكبّر والاستعلاء هو الجهل المركب بضعف النفس وافتقارها للتدبير الإلهي، وتمازجه بتجاهل لحقيقة الفروق الفردية والتفاوت في القدرات والمستويات المعرفية والاجتماعية وغيرها، حيث يظن الإنسان أنه يملك الكمال أو أنه أعلى من غيره بينما هو غارق في محدوديته.

وللتكبّر آثار اجتماعية تُعدّ من إفرازات ونتائج تضخم الذات وتقزيم الآخرين، والنتيجة الطبيعية هي أن يولّدَ عزلةً وفجوةً بينه وبين الآخرين، حيث إن العجرفة والتعالي يخلقان نفرةً منه وعدم قبول لتواجده الاجتماعي بينهم، مما يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية في محيطه، فالعلاقات الاجتماعية قوامها الاحترام المتبادل وتقدير شخصية الآخر والتزام الأدب في الحديث والتعامل معه، ولا يمكن لأحد أن تسمحَ له كرامةُ نفسه بالتجاوز عليه من أي شخص كان ولأي سبب، كما أن التكبّر نافذة تنفتح على مساوئ الأخلاق كسوء الظن، وكفى به رذيلة تمنع التواصل الاجتماعي الحقيقي والمثمر بين الأفراد، كما أنه يؤدي إلى ظلم الآخرين؛ لأن من يرى نفسه أفضل من غيره يسهل عليه التقليل من حقوقهم أو تجاهل كرامتهم والتجاوز على حقوقهم المادية والمعنوية.