آخر تحديث: 15 / 4 / 2026م - 10:53 م

أيتام والآباء أحياء «1»

سلمان العنكي

المتعارف عليه أن «اليتيم» هو من مات أبوه، وإن كان هذا المصطلح موافقًا للشرع والواقع، لكن ما نعنيه هنا أن هناك حالات وعناوين تخالفه. فقد يكون الولد، من الجنسين، أشد يتمًا مع وجود الأب من غيابه.

من هذه الحالات الطلاق؛ فعند انفصال الزوجين، إلا في حالات نادرة يسود فيها التفاهم بين الأبوين لحفظ الأبناء، يؤول مصيرهم في وقت حاجتهم الماسة إلى من يحتضنهم إلى التشتت. فلا أم تشبعهم عطفًا، ولا أب يرعاهم، بل يلقي كل طرف اللائمة على الآخر ويحمله الأسباب. ومع ذلك نسمع عن أمهات ضحين بملذاتهن وتحملن أعباء الطرفين لأجل أبنائهن، وكذلك آباء تعاملوا بعقلانية فلم تظهر آثار سلبية رغم الانفصال، فقام كل طرف بواجبه دون نقصان.

أما إذا تزوجت الأم أو اقترن الأب بأخرى، فتزداد معاناتهم وتتحول حياتهم إلى جحيم. لا يتقبلهم الزوج لأنهم خارج مسؤوليته، ولا الزوجة لأنها تراهم مزاحمين لأولادها، وهذا هو الغالب. ومع ذلك نجد أحيانًا من يكون أفضل لهم في التربية والعناية، خاصة إذا كان الطفل فاقدًا لأحد أبويه.

وقد يصل الحال بهم إلى ظلام دامس، فلا يدرون أين يتجهون ولا أي الطرق يسلكون بأمان، ولا يجدون موجهًا ولا رقيبًا. ثم ينتهي بهم المصير إلى الشارع، فيأوون إليه قهرًا، ويستبدلون بيوتهم بأوكار الفئة الضالة التي توقعهم في شباكها المليئة بالمخدرات وأصناف الجرائم الكبيرة من قتل وإرهاب وسرقات، إلا ما رحم ربي. إنهم ضحايا الخلافات الأسرية والعنف الفكري، فما ذنبهم أن يُحرموا من حقوقهم؟ تتقاذفهم الأمواج، تارة إلى ساحل النجاة، وتارة إلى قعر البحر حيث الهلاك، فهم أيتام وإن كان آباؤهم أحياء.

وفي المقابل، رأينا من هؤلاء من صنعتهم الظروف القاسية، فاعتمدوا على أنفسهم منذ الطفولة ونقّوها مما يشين. أصبحوا رموزًا يُفخر بهم في مجتمعاتهم، منهم ولد صالح مثقف رفع رأس أبيه وقبيلته، وبنت عفيفة متعلمة شرفت أمها وعائلتها.

لذلك علينا جميعًا أن نأخذ الحذر ونحرص على أولادنا منذ البداية. وإن انقطعت الصلة بين الزوجين، فالمسؤولية لا تنقطع، بل تزداد، بل وحتى مع اجتماعهم تبقى العناية واجبة. نجاح الأبناء يعنينا، وفشلهم يُنسب إلينا. وعلى الجميع أن يقوم بواجبه، وأن يتغاضى الكبار لصالح الصغار ما أمكن حتى يكبروا بسلام. فقول «ليتني ما تركت» لا ينفع حينها، ولا يصلح ما أفسده الدهر.