لماذا قراءة السير الذاتية من أمتع القراءات؟
بينما تُعد السيرة الذاتية من وجهة نظر كاتبها نوعًا من البوح النفسي قد يشبه اعترافات المذنبين أمام رجال الدين في بعض الديانات، ويعدونها تكفيرًا عن ذنوبهم، فإنها تعد بالنسبة للقراء من أكثر أنواع القراءة متعة؛ لكونها تشبع الفضول، الموجود لدى الجميع بدرجة ما، الذي قد يقود إلى حياة أمة أو مجتمع عندما يكون إيجابيًّا وشاملًا بعيدًا عن الانتقائية، وحين يقدم خلاصة تجارب حياتية تفيد من يقرؤها.
وتعد قراءة السير الذاتية ماتعة للغاية عند البعض لكونها تشبه مشاهدة فيلم روائي يحكي قصة شخصية طالما سمع الناس عن جانب معين من حياتها، وربما لم يسمعوا عن جوانب خفية أخرى منها، وهو ما تقوم به السير الذاتية.
هي أمتع القراءات عندما تتوفر فيها مواصفات لا تقتصر على حكايات شخصية أو قصص تروى لأول مرة، بل تجمع بين الأدب، وما يعنيه من جمال في الأسلوب ورشاقة في العبارة ومتانة في التراكيب، وبين النواحي الفنية الروائية التي تأخذ بقلوب القراء وتغوص في أعماق نفوسهم المتعبة، مستخلصة منها كل جميل ومركزة على جوانب النجاح فيها، ومبينة لحظات الفشل حتى يمكن أن يتجنبها القراء. بل إن بعض القراء قد يقعون في غرامها حتى وإن حُشيت ببعض الزيادات أو الأكاذيب، ما دام الأدب يطغى على عباراتها.
وما أجمل ما قال الكاتب والناقد الدكتور صلاح فضل حين وصفها بأنها من أشهى أنواع القراءة وأحفلها بالمتعة، خاصة ما يتناول منها سير العظماء والمبدعين في جميع المجالات؛ لأنها لا تشبع الفضول العادي فحسب، بل تَعِد بكشف الأسرار عن اللحظات الفائقة والمواقف الحرجة الدرامية، فهي تقع في تلك المنطقة المراوغة الملتبسة بين «التاريخ والفن»، بين التوثيق والبوح، بين خبرة الحياة الخصبة في فترات توهجها، ولذة المعرفة بخباياها الدفينة «جريدة عمان، 4 ديسمبر 2021 م».
ويحب الناس السير الذاتية لأنهم بطبيعتهم يحبون القصة والحكاية، ربما لإرضاء فضول الأطفال داخل ذواتهم، أو لأنه نوع من التلصص أو الغيبة المحمودة «أو غير المحمودة»، لذلك شبهها أحدهم بفتحة القفل في باب مغلق لكنها هنا فتحة اختيارية. وهنا سر نجاح بعض كتابات السير الذاتية التي لا يملك القارئ سوى إنهائها في جلسة واحدة أو اثنتين.











