أعيدوا لنا كفّ الحلاقة وبيبسي النجاح
أدبيات المجتمع في زمنٍ مضى كانت لافتةً للنظر. وبعيدًا عن فلسفتها، فإنها تعبّر - إلى حدٍّ ما - عن بساطة المجتمع وطيبة قلوب الناس في تعاملاتهم اليومية. الشرّ موجود وسيبقى دائمًا، لكنّي أظنّ أنّ مجتمعاتنا الشرقية كانت تميل إلى صفاء القلب في شؤونها الصغيرة؛ فإذا وعد أحدهم وفى بوعده، وربما اختلف الناس وتشاجروا، لكن قلّ أن تجد من يغدر بغيره في الخفاء أو يتعمّد إيذاءه دون سبب. هذا يدفعني إلى سؤالٍ أبعد من الحنين: ما الوعي؟ أدرك - في حدّه الأدنى - أنّ هناك فرقًا بين العلم والوعي؛ فليس كلّ عالمٍ واعيًا، والعكس صحيح.
السؤال عن الوعي يبقى نظريًا، فلنتأمّل - عزيزي القارئ - سلوكًا يوميًا بسيطًا. شخصيًا أسافر أسبوعيًا بالطائرة إلى مدينة عملي، وأعود في نهاية الأسبوع. وفي كل مرة، ما إن تتوقف بعد الهبوط، حتى يقف كثيرٌ من ركاب الصفوف الخلفية ويتقدّمون نحو بابٍ لم يُفتح بعد. وهم يعلمون - بلا شك - أن هناك نظامًا اسمه «الطابور»، ومع ذلك لا يلتزم به أغلبهم. فهل المشكلة جهل؟ قطعًا لا. إنهم يعرفون النظام، لكنهم لا يلتزمون به. هنا يظهر الفرق: المشكلة ليست في العلم، بل في الوعي. وقد أشار كانط إلى هذا المعنى حين عرّف الوعي بأنه القدرة على إخضاع السلوك لقانونٍ أخلاقي نختاره بإرادتنا، بينما ربطه هيغل بعلاقة الإنسان بغيره. وبناءً على ذلك، فالواعي هو من يفعل الصواب لأنه صواب، لا لأنه مُلزَم. أما غير الواعي، فإن سلوكه رهين وجود القانون؛ فإن منعه التزم، وإن غاب عنه تجاوز. ولهذا، لو فُرضت غرامة على من يقف في الطائرة ويتجاوز من أمامه، لانضبط الجميع، لا وعيًا، بل خوفًا.
في مجتمعي، كان من يحلق شعره يتلقى «كفّ الحلاقة»، ومن ينجح يُطالب بـ «بيبسي النجاح». ممارسات بسيطة، لكنها لم تكن عبثًا؛ كانت تذكيرًا اجتماعيًا خفيفًا يربط الفعل بمعناه، ويجعل الإنسان يرى نفسه بعين الجماعة. وليس ذلك وحده؛ فقد كان للكبير توقيرٌ ظاهر، وللأب والأم منزلةٌ محفوظة، ولأماكن العبادة هيبةٌ تُراعى في السلوك قبل القول. لم يكن الناس كاملين، لكن بعض معاني الوعي كانت أقرب إلى الممارسة اليومية، وأقلّ اعتمادًا على رقابةٍ خارجية. أما اليوم، فقد تغيّرت الصورة؛ ازداد العلم، لكن الوعي لم يزد بالضرورة. تضعف تلك الإشارات الصغيرة التي كانت تضبط السلوك، فنرى تجاوزًا في طابور، أو غفلةً عن توقير مقامٍ أو مكان. وإن طلبت رأيًا من مشجّع برشلوني في لاعبٍ مدريدي، فلن يُنصفه غالبًا؛ لكنه قد يمنحك رأيًا متزنًا في لاعبٍ باريسي. هكذا يبدو الوعي: ليس غائبًا تمامًا، لكنه انتقائي؛ يحضر حيث لا مصلحة، ويغيب حيث الهوى. ولذلك، لسنا بحاجة إلى استعادة «كفّ الحلاقة» و«بيبسي النجاح» بذاتهما، بل إلى استعادة ما كان خلفهما: إشاراتٍ صغيرة تُذكّر الإنسان بحدوده، وتربط علمه بسلوكه، حتى يفعل الصواب - لا لأنه مُلزَم - بل لأنه يراه صوابًا.











