هل الكون قادر على أن يُدرك نفسه بنفسه؟
الإدراك والوعي هو من طبيعة الكائنات الحية، لا الجمادات. في ذات السياق، هذا يأخذنا إلى محاولة الإجابة على سؤال ملح: هل يوجد هناك ثمة نوع أو مستوى من الإدراك لدى الكون نفسه، لنفسه بجميع أجزائه وذراته؟ للوهلة الأولى قد يبدو هذا السؤال ساذجًا بسيطًا إذا ما قرئ بحسب الظاهر، لكنه سيغدو أكثر تشعبًا وصعوبة بلحاظ ما ينفتح من نوافذ وما يتجذر من أعماق. اسمح لي قارئي وقارئتي الكريمين بأن أصيغ السؤال من خلال هذه الزاوية: هل الكون يدرك نفسه، بنفسه؟ وهل هذا الامتداد الهائل من النجوم والمجرات والقوانين الدقيقة يملك نوعًا من الوعي بذاته، أم أن الوعي هو ظاهرة محدودة نشأت فقط بداخلك أنت كنموذج لكائن ناضج على كوكب صغير، اسمه الإنسان؟
حين ترمي بطرفك للسماء ليلًا، وتتمعن لهنيهة في تلك النقاط المضيئة المتبعثرة في الفضاء، فإنه يخيل إليك أن الكون بلا حدّ. بالطبع سيجول في خلدك أن هذا الوجود المترامي هو صامت، بارد، لا يشعر ولا يفكر، مثلما تفعل أنت. مجرات تدور وفق قوانين الجاذبية، ونجوم تشتعل وفق تفاعلات الاندماج النووي، وكواكب تسير في مداراتها، وكأنها أجزاء من آلة كونية دقيقة محكمة، أحكمها خالقها بقدرته، الله سبحانه وتعالى، الكبير المتعال. فلا تتضح لك في هذا المشهد الكوني ما يشي ببوادر من وجود دلائل على الفكر أو الشعور أو الإرادة لدى الكون نفسه، كونه جمادًا.
لكن المفارقة العجيبة تكمن في حقيقة الطريقة والكيفية التي تدرك بها أنت الكون من حولك. تذكر أيها الإنسان الذي يتساءل عن الوجود، بأنك لست كائنًا منفصلًا عن الكون خارجًا عنه؛ على العكس تمامًا، فأنت جزء متأصل منه ومندمج فيه ومتفاعل معه. ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 88-89]. فذرات جسد البشر كانت قد صُنعت في قلب النجوم القديمة، من جراء انفجاراتها، وأما العناصر التي تكونت منها بذرة خلايا الجنس البشري فبذاتها هي التي شكلت السحب الكونية وما تلاها من كواكب. وبعبارة علمية مبسطة، الإنسان ليس جسدًا خارجًا طارئًا على الكون؛ على النقيض تمامًا، فما يجدر به إلا أن يكون أهم تجلياته، وأظهر آثاره.
ومن هنا ينبغي لنا أن نعيد السؤال بصيغة أخرى أكثر واقعية: إذا كان الإنسان جزءًا من الكون، وكان الإنسان قادرًا على التفكير في الكون وتأمله، فهل يمكن القول إن الكون - ومن خلال الإنسان - قد أصبح قادرًا على إدراك نفسه، بنفسه؟
وددت أن استعرض بعض صور الإدراك الكوني التي أشار إليها القرآن الكريم من خلال الآيات الكريمة التالية:
1. ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29]
2. ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
3. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
4. ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]
ماذا عن العلم الحديث؟ ذاك الذي لا يتحدث عادة عن ”وعي الكون“ من جهة كونه حقيقة علمية، لكنه يكشف عن أمر لا يقل دهشة. إن قوانين التطور والتكيف الطبيعية مكنت، عبر سلسلة طويلة من التوسع الكوني والبيولوجي، من ظهور كائنات حية تمتلك شيئًا من الوعي والإدراك النسبي. أما الإنسان؛ نظرًا لأن الله سبحانه وتعالى اختصه بالتكريم، إكرامًا وإجلالًا لرسول الله ﷺ الطيبين الطاهرين ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] فهو دون غيره من الموجودات يمتلك حصرًا الفكر والمعرفة والإدراك والقدرة على طرح الأسئلة الكبرى. فمن انفجار كوني أولي، إلى تشكل النجوم، إلى تكون العناصر الثقيلة، إلى ظهور الحياة، انتهاء بالإنسان العاقل المفكر، حتى لكأنك تخالها سلسلة طويلة، قد انتهت بكائن يقف على ضفاف هذا الكوكب المفعم بالحياة، متأملًا للكون ومتيقنًا من قدرة الله وعظمته.
بهذا المعنى يصبح الإنسان أشبه بمرآة كونية. فالكون في بداياته كان مادة وطاقة تتحرك وفق قوانين صامتة، لكنه مع ظهور العقل البشري اكتسب بعدًا إضافيًا جديدًا، يرتسم في القدرة على التأمل والتفكر والمعرفة. وكأن الكون - عبر رحلته الطويلة المفعمة بالتحولات - قد تلمس في أحشائه كائنًا مختلفًا يستطيع أن يسأل: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وما سر هذا الوجود؟ أسئلته الفطرية هذه هي التي قادته إلى معرفة الله سبحانه وتعالى.
غير أن هذا التأمل لا ينبغي أن يقود إلى الوهم بأن الكون هو عبارة عن كائن واعٍ بذاته من ذاته على نمط الطريقة البشرية التي نعرفها. فالوعي لدى الإنسان يتمحور حول الترابط والتخادم الوظيفي بين الدماغ والجهاز العصبي، كظاهرتين بيولوجيتين تبلورتا في مرحلة متأخرة من تاريخ الكون. لذلك فالأقرب إلى الدقة أن نقول إن الكون لا يحسن أن ”يفكر“ بذاته، لكنه قادر على استنهاض الهمم في الكائنات القادرة على التفكير، وبالطبع المنحصرة في الإنسان نفسه.
هناك نصوص قرآنية كثيرًا ما تدعو الإنسان إلى النظر في السماوات والأرض، وكأنها تشير إلى أن وظيفة العقل البشري ليست مجرد العيش في الكون، بقدر ما تنسحب وتشتمل على الفهم والتأمل للكون. فالإنسان حين يتفكر في الكون لا يقوم بعمل علمي فحسب، بل إنه يمارس وظيفته الوجودية العميقة، التي تتمحور حول فهم موقعيته ودوره ومنصبه في إعمار هذا البناء العظيم.
ومن هذه الزاوية المركزية يصبح السؤال ”هل الكون يدرك نفسه؟“ سؤالًا عن الإنسان نفسه، بقدر ما هو سؤالًا عن الكون. فالإنسان هو النقطة التي يلتقي فيها الكون بالملاحظة، والمادة بالوعي، والوجود بالسؤال. إنه الكائن الذي يحمل في جسده تاريخ النجوم، وفي عقله القدرة الأصدق والأدق على فهم هذا التاريخ الكوني.
ولعل أجمل ما في هذا التأمل أن الإنسان، بالرغم من صغره بالمقارنة مع حجم الكون وترامي أطرافه، إلا أنه يتميز بقدرته الفريدة على أن يقف منتصبًا شامخًا بين الأرض والسماء متأملًا مدققًا متفكرًا، بينما هو ينظر إلى النجوم بأضوائها البعيدة. عندها يصبح نتيجة هذا التمعن كأنما الكون بذاته - بطريقة ما - قد نظر إلى نفسه من خلال عدسة العين البشرية. دعني أختم بما روي عن أمير المؤمنين
: «أتزعم أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر».











