آخر تحديث: 9 / 4 / 2026م - 9:49 م

حين نطرق باب المريض… نوقظ إنسانيتنا

محمد يوسف آل مال الله *

يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء 80].

في لحظات المرض يتعرّى الإنسان من كثيرٍ من مظاهر القوة التي اعتادها في حياته اليومية. فالجسد يضعف، والنفس تميل إلى القلق، والإنسان يشعر بحاجةٍ أكبر إلى من يواسيه ويذكّره بأنّه ليس وحده في هذه المحنة. هنا تتجلّى قيمة زيارة المريض في الإسلام، لا بوصفها مجاملة اجتماعية عابرة، بل باعتبارها سلوكًا إنسانيًا عميقًا يحمل رسالة رحمة ووعي اجتماعي راقٍ.

لقد أولى أهل البيت عيادة المريض أهمية كبيرة، لأنّها تعكس روح الأخوّة الحقيقية بين الناس. فقد رُوي عن الإمام علي بن أبي طالب قوله: ”من حقّ المسلم على أخيه المسلم أن يعوده إذا مرض“. ففي هذه الكلمة القصيرة يتضح أنّ زيارة المريض ليست ترفًا أخلاقيًا، بل حقّ من حقوق الإنسان على أخيه في المجتمع المؤمن.

كما تذهب الروايات إلى أبعد من ذلك في بيان عظمة هذا العمل. فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق قوله: ”أيّما مؤمن عاد مؤمنًا في مرضه فإن كان حين يصبح شيّعه سبعون ألف ملك، وإذا قعد عنده غمرته الرحمة، واستغفروا له حتى يمسي“. إنّ هذا التصوير الروحي المدهش يجعل من زيارة المريض رحلة إنسانية تحفّها الرحمة الإلهية من كل جانب.

لكنّ جمال هذا العمل لا يكتمل إلّا بمراعاة آدابه التي أكد عليها أهل البيت . فليس المقصود من الزيارة مجرد الحضور، بل تحقيق الراحة النفسية للمريض. ولذلك ورد عن الإمام الصادق : ”إن من أعظم العوّاد أجرًا عند الله من إذا عاد أخاه خفّف الجلوس إلّا أن يكون المريض يحب ذلك“. فالإسلام يربّي الإنسان على حسٍّ إنساني رفيع يجعله يقدّر حالة المريض وظروفه.

كما أنّ من أهم آداب الزيارة أيضًا أن يحمل الزائر معه كلمات الأمل، لا كلمات القلق، وأن يدعو للمريض بالشفاء، وأن يبتعد عن الأحاديث التي تثير الخوف أو تضاعف الشعور بالضعف. فالكلمة الطيبة في لحظة المرض قد تكون علاجًا معنويًا يخفف من وطأة الألم.

بالإضافة إلى ذلك، فأنّ من جميل ما تشير إليه تعاليم أهل البيت أنّ عيادة المريض تُذكّر الإنسان بنعمة العافية التي قد يغفل عنها في خضم الحياة. فالإنسان عندما يرى المرض عن قرب يدرك هشاشة الجسد وقيمة الصحة، فيزداد شكرًا لله وتواضعًا في التعامل مع الآخرين.

إنّ المجتمع الذي يحرص أفراده على زيارة المرضى هو مجتمع حيّ تنبض فيه الرحمة. فهذه الزيارات الصغيرة تصنع شبكة من التعاطف الإنساني تعيد للناس شعور الأمان الاجتماعي، وتجعل من الألم فرصة لتجديد الروابط بين القلوب.

ففي زمنٍ تتسارع فيه الحياة وتزداد فيه العزلة الاجتماعية، ربّما تصبح زيارة المريض رسالة وعي قبل أن تكون عادة. رسالة تقول ببساطة: إنّ الإنسان لا يشفى بالدواء وحده، بل بالاهتمام، وبالوجوه التي تأتيه حاملة الدعاء والطمأنينة.

ولعل أجمل ما في هذا الخلق أنّه يذكّرنا بحقيقة بسيطة لكنّها عميقة:

حين نزور مريضًا… فإننا في الحقيقة نداوي شيئًا في إنسانيتنا نحن أيضًا.

أسألكم الدعاء لي بالشفاء العاجل.