آخر تحديث: 9 / 4 / 2026م - 9:49 م

معارك حقوقية بين الأرحام «1»

حينما نتأمل آيات القرآن الكريم، وما ورد عن الرسول الأعظم ﷺ وأهل بيته الطاهرين ”“، نجد تركيزًا واضحًا على الأرحام، بوصفهم دائرة الألفة الأولى في حياة الإنسان، ومجال التراحم والتواصي بالحق. غير أن الواقع الاجتماعي يكشف مفارقةً مؤلمة؛ إذ تتحول هذه الأرحام - في كثير من الأحيان - إلى ساحات صراع، وتدور بينها معارك طاحنة لا تليق بقدسية الرابطة التي أرادها الله تعالى لهذه العلاقة الرحمية.

فبدل أن تسود المحبة، تتقدم الخصومة، وبدل أن يحضر التعاطف، يتصاعد النزاع، ويندفع بعض الأرحام - بوعي أو بدونه - إلى الدخول في معارك حقوقية تُؤجَّج أحيانًا بجهلٍ لا يصلح أن يكون مبررًا لتمزيق وشائج القرابة. وتتجلى هذه المعارك بصورة أشد حين يخلّف أحد كبار العائلة إرثًا، فيتحول المال - الذي كان يفترض أن يكون سببًا في حفظ التماسك وسعادة العائلة - إلى شرارة نزاع، وتبدأ رحلة تعطيل وتأخير، وربما خصومات تمتد لسنوات.

والأخطر أن العدوان في هذه المعارك لا يتمثل في صورة أكل حق الغير فقط، بل قد يتمثل في منع وصول الحق إلى أصحابه، أو عرقلة إجراءاته، أو دفع أصحاب الحقوق إلى أبواب المحاكم مع أن الأمر في أصله واضح ومحدد. وهنا يأتي التحذير القرآني الصريح الذي يربط بين الإفساد في الأرض وتمزيق الأرحام، يقول تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد: 22]، ثم يتبع ذلك وعيد شديد: ﴿أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد: 23].

إنّ الحقوق، ولا سيما الحقوق المادية التي تأتي بعد رحيل متوفى، من أخطر الامتحانات التي يواجهها الإنسان؛ فهي ليست مسائل اجتهادية غامضة، بل حقوق واضحة بيّنها القرآن في آيات محكمة. ومن هنا فإن تعطيلها، أو تأخيرها، أو وضع العراقيل أمامها، قد يُدخل الإنسان في دائرة منع الحق عن أهله، ويحمّله مسؤولية خطيرة أمام الله، إذ سيقف الجميع يومًا بين يدي الحق سبحانه، لا ليُسأل الإنسان عمّا أخذه فحسب، بل عمّا منع وصوله إلى أصحابه

الازدواجية الاجتماعية في المعارك الحقوقية

وهنا يتساءل البعض: هل يعني ذلك أن يسكت صاحب الحق عن حقه، حتى لا يُتَّهم بتقطيع الرحم، أو الإفساد في الأرض؟ وهل تصبح المطالبة بالحق سببًا لتمزيق العلاقة بين الأرحام؟

هذه النظرة خاطئة تمامًا، ولا تلتقي مع التعاليم الدينية مطلقًا. فالمطالبة بالحقوق أمر مشروع، ولا ينبغي للإنسان أن يسكت عن حقه، بل إن المطالِب بحقه يكون - في الغالب - مظلومًا يسعى إلى استعادة حقه دون أن يقصد تمزيق العلاقة أو إشعال النزاع.

ومن هنا فإن المطالبة بالحق ليست هي الإشكال في ذاتها، وإنما الإشكال في الظروف التي تدفع هذه المطالبة إلى مسارٍ مختلف، مسارٍ يفرضه الوقوف في وجه الظلم والسعي لاستعادة الحقوق، لا الرغبة إذكاء الصراع بين الأرحام.

فالمطالبة بالحق شيء، وتأجيج العداوة شيء آخر. فقد يطالب الإنسان بحقه بهدوء ووضوح، محافظًا قدر الإمكان على روح العلاقة، غير أن النزاع يبدأ حين تُقابَل هذه المطالبة بالمنع أو التعطيل، أو بوضع العراقيل أمام وصول الحق إلى أصحابه. عندئذٍ يُفتح باب الخصومة، ويُدفع الأرحام إلى مسار النزاع. نعم، هناك من يُحوِّل القضية إلى المحكمة لا مطالبًا بحقه، بل رغبةً في سلب حق الآخرين، ملتفًّا بذلك على الشرع والقانون، وهذا عملٌ محرَّم شرعًا، وقد حذّر الله سبحانه من ذلك بقوله تعالى:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة: 188].

ومن جهةٍ أخرى، قد يكون منع الحقوق أو تعطيلها منطلقًا من مرضٍ وجداني في عمق الذات الإنسانية: حقدًا، أو سوء نية، أو سلوكًا أخلاقيًا يحتاج صاحبه إلى مراجعة ذاته قبل أن يكون سببًا في تمزيق الرحم.

ومن هنا تبرز الرسالة الأولى في هذا المقال إذ لا بد من التفريق بين من يطالب بحقه، وبين من يمنع الحق أو يؤجج العداوة. فالأول معذور في مطالبته، أما الثاني فغير معذور في تأجيجه وتمزيقه للعلاقة بين الأرحام.

وتبرز هنا مفارقة اجتماعية خطيرة؛ إذ يُوجَّه اللوم غالبًا لمن يطالب بحقه، فيُقال له: لا تجعل المال سببًا للخلاف، واحفظ الرحم، واصبر وتجاوز. وفي المقابل، يُغضّ الطرف عمّن يمنع الحقوق أو يعطلها، وكأن المشكلة في المطالبة لا في المنع. وهذه الازدواجية لا تقتصر - مع الأسف الشديد - على معارك الأرحام الحقوقية، بل تمتد إلى كثير من المعارك الحقوقية في المجتمع، حيث يُلام صاحب الحق، بينما يُترك من صادر الحق أو عطّله دون مساءلة.

وهذه الازدواجية تمنح المانع للحق غطاءً للاستمرار، وتدفعه إلى التمادي في سلوكه، بينما تُحمّل صاحب الحق تبعات لا ذنب له فيها.

والحقيقة الواضحة أن من يطالب بحقه على حق، وأن المسؤولية الأخلاقية تقع أولًا على من منع الحق وأشعل شرارة النزاع.

وفي الجزء القادم…

سنكشف عن ذلك الظلم الخفي الذي يتخذ من التعطيل والتأخير غطاءً لمنع وصول الحق إلى أصحابه في وقته المشروع، وكيف يتحول هذا السلوك السلبي إلى شرارة تمزّق العلاقة الرحمية، فينقلب الرحم من حضنٍ دافئ إلى شوكٍ جارح، لا يقتصر أثره على البعد المادي، بل يمتد إلى البعد الوجداني، حيث يخلّف جراحًا عميقة، وأثرًا طويل المدى في الذهن والنفس والقلب الوجداني.