مهب الريح
سؤال قديم يتجدد ويعاد طرحه: ماذا يحدث في العالم ومن يقوده؟ هل يقوده العقل ويسيره المنطق وتطبق فيه العدالة، أم أن هناك أجندات خفية ونوادي مختلفة وتجمعات تعمل في غرف مغلقة تؤثر على اتجاهات وقرارات مصيرية؟ بمفردها تعمل بما تملكه من قوة وسلطة ونفوذ في صنع القرار على النطاق العالمي بشتى السبل: من حروب وضغوطات حسب سياسات مخطط لها، وتضم زعماء دوليين وكبار الساسة ومديري الشركات العالمية وأصحاب المصانع الذين ينتظرون جني الثمار وكسب المال لتشغيل مصانعهم وشركاتهم. يشكل هؤلاء تكتلًا ويرسمون خط سير دول العالم، وهم قوة لا يستهان بها بما تتمتع به من ملاءة مالية تقرر ما تشاء ومتى تشاء؛ لترسم سياسات العالم بعيدًا عن الإعلام، وفي غرف تناقش قضايا خطيرة تحدد مصير العالم، ومواقع الحروب، والنتائج المرجوة من هذه النزاعات، بما يحقق مصالح قوى عالمية نافذة سياسيًا واقتصاديًا.
وهذه القوى ليست وليدة اليوم، فقد ظهرت على السطح منذ زمن بعيد، وكشفت الأيدي الخفية التي تمسك بالسياسة العالمية وتقف خلف معظم الحروب والأزمات في العالم: من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه. كل قارة لها مشروعها الخاص، وكل منطقة لها خططها المعدة، بحيث لا تخلو أكثر بقاع العالم من صراعات متفرقة وحروب بمسميات مختلفة، تحت مظلة ضغوطات قوى كبرى، وتحت قبة مؤسسات دولية ومنظمات إغاثة، مرورًا بالتأثير الكبير لوسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية الفاعلة.
تعمل هذه القوى العالمية الخفية بعيدًا عن الأضواء، وهي متعددة وذات أسماء مختلفة، تندرج تحت مسمى ناد أو تجمع أو شركات متعددة ومنتديات تجمعها مصالح مشتركة، وكل ذلك تحت قيادات عالمية لها وزنها السياسي والاقتصادي والصناعي. تجمعها فكرة واحدة: السيطرة على مصير العالم بأساليب مشروعة أو غير مشروعة؛ إذ «تعددت الأسباب والفائدة واحدة» لأصحاب النفوذ، أو «تعددت الأسباب والموت والفناء واحد» لمن يراد السيطرة على مصيرهم وتحديد معنى وجودهم وفقًا لمصالح عليا.
تمكن أصحاب القوى من توسيع سيطرتهم على الاقتصاد العالمي، في مشهد تجسدت فيه روح الهيمنة بأبشع طرقها، حيث إنّ الهم الأول والأخير هو الربح والسيطرة على مقاليد العالم الاقتصادية تحت مظلات سياسية أو حروب مفتعلة، مع تغييب تام وتهميش لمحاربة أي اقتصاد ناشئ، وإيجاد حالة من التبعية المستدامة وإسار المساعدات والقيود؛ لقتل أي أمل بالنمو والتنمية وأخذ زمام الأمور لمستقبل اقتصادي أفضل. إن الاعتماد المتزايد على تلك القوى المهيمنة، عبر القروض التي تقصم ظهر اقتصادات العالم الثالث، يزيد من أرباحها مما تجنيه من فوائد وضغوطات، حتى لا تستطيع الدول النجاة من براثن تلك القوى ولا التحرر من تلك المصائد.
تسيطر هذه القوى على خيرات العالم وتفرض الأمر الواقع بالتدخل المباشر وغير المباشر، وبالالتفاف على القوانين لتكريس الفساد وتعميمه من أجل مصالح خاصة، وإثراء دول معينة على حساب دول لا طاقة لها بمقاومة تلك الضغوطات، مما يدفع دول العالم الثالث وكل من يقف في وجه تلك القوى إلى الهاوية، والتبعية في أبسط الشؤون الحياتية.
يتطور هذا المشروع بمرور الوقت، ونشاطه يتجاوز الحدود، وأهدافه هي النفوذ والتوسع والهيمنة. تشكل هذه المجموعات المحرك للنظام الاقتصادي والسياسي الدولي الراهن، وتتحكم في الموارد الطبيعية عبر شبكات معقدة وفق خطط مدروسة، مستغلةً نقاط ضعف الدول المستهدفة للدخول منها وإنهاك قوتها بضغوطات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو اتهامات باطلة. وفي ظل ذلك، تقف المؤسسات الدولية والهيئات العالمية عاجزةً وتغض الطرف عن القيام بما يلزم لكبح مثل هذه المشاريع والخطط غير المشروعة، والمخالفة لكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية.











