آخر تحديث: 8 / 4 / 2026م - 10:08 م

مبارك بوبشيت والقراءة

يوسف أحمد الحسن * مجلة اليمامة

لم تكن علاقة الكاتب والشاعر الكبير الأستاذ مبارك بوبشيت - رحمه الله - بالقراءة علاقة عادية؛ بل كانت متميزة وقديمة منذ صغره، واستمرت معه طوال عقود حياته. وحتى قبل أن يمتلك مكتبته الخاصة كان يستفيد من كتب أخويه أحمد ومحمد، كما قال لي مرافقه لمدة طويلة الأستاذ خالد بن فهد البوعبيد، الذي قال أيضًا: إن قراءاته كانت موسوعية في مختلف مجالات الأدب والشعر والعلوم الحديثة والدين والتفسير والفلسفة وعلم النفس، إلى جانب قراءاته في المجلات الثقافية الشهيرة. كما لم يغفل أمهات الكتب كلسان العرب ومعجم مقاييس اللغة ومختلف المعاجم الأخرى. ومن الشعراء الذين كان يقرأ لهم صلاح عبد الصبور ونزار قباني وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وأحمد شوقي. أما الكُتّاب فكان يقرأ لعدد كبير منهم، مثل عباس محمود العقاد، ومارون عبود، وطه حسين، ومحمد مندور، والرافعي، ومصطفى محمود، وأنيس منصور، وتوفيق الحكيم، وأحمد رامي، وسائر ما يصدر من كتب حديثة. وكانت موسوعيته في القراءة تتكشف حين يسأل عن كتاب ما أو معلومة ما، حيث كانت إجاباته حاضرة حول الموضوع.

وقد التقيت الأستاذ أبا رياض عدة مرات في مناسبات متنوعة، وكان لي شرف طلب كتابة عدد من المقالات لإحدى الدوريات الثقافية، حيث رحب بذلك على الفور، وزودني بأربع مقالات رائعة نُشرت لاحقًا. لكنني أعتمد في هذا المقال على شهادات لثلاثة من المقربين والمرافقين له لسنوات طويلة لكي أتعرف أكثر على علاقته بالقراءة وعالم الكتب. فهذا الأديب الكبير «1945-2025 م» كان أيضًا صحفيًّا وشاعرًا ومعدًّا ومقدمًا لعدة برامج إذاعية، وصدرت له عدة كتب، منها «الغزو الثقافي للأمة العربية: ماضيه وحاضره»، وديوان «الحب إيمان»، وديوان آخر كتبه باسم مستعار «نديم الليل»، إضافة إلى كتب مخطوطة، وقد أقيم له حفل تكريم كبير قبل سنوات في مسقط رأسه مدينة الطرف بالأحساء.

أما ثاني هؤلاء فقد كان الدكتور جابر الخلف، الذي أجاب عن علاقة أبي رياض - رحمه الله - بالقراءة بقوله:

ما اجتمع أبو رياض والكتب إلا وكانت القراءةُ ثالثَهما، ولن يلاقي مرتادو مكتبته صعوبة في اكتشاف شغفه بالقراءة؛ فهي حبله السري الذي يربطه بالعالم من حوله. ففيها كتب قيمة لعلها تربو على 2500 كتاب، فهي المضيف الذي يستقبل فيه ضيوفه، ويرحب فيه بزائريه ومشاركيه شغف القراءة وعشق الأدب؛ فهو - رحمه الله - لا يستأثر بالكتاب لنفسه، بل يؤثر به قارئه.. ولو على حساب نفسه.. فالكتاب رحمٌ بينه وبين قرائه.

وأضاف الدكتور جابر: شغفه بالقراءة تجده في تعليقاته على الكتب، وفي اختياراته، وفي محفوظاته منها، وفي إشاراته على ما يستحسنه من الشعر، أو ما يعجبه من القطع الأدبية. وسعة اطلاعه تلاحظها في تنوع مكتبته وتعدد مجالاتها بين الأدب وفنونه، والفكر واتجاهاته. فكان يقرأ بحس موسوعي نحو غاية واحدة، هي تذوق الأدب والتبصر في فنونه. ويتجلى اطلاعه في موسوعيته الأدبية بين قراءة الشعر والنثر، وأنواعهما المختلفة قديمًا وحديثًا.. يشفع ذلك بحاسة لغوية مرهفة ترسخت لطول قراءاته في المعاجم اللغوية، والدواوين الشعرية، والمؤلفات النثرية.. حتى أصبحت لديه ذائقة مدربة، وإحساس لغوي محنّك. وختامًا فالقراءة لدى أبي رياض ليست لتزجية الوقت، وإنما لاستعادة ما يتبدد من الروح، وإقامة ما يتصدع من الذات، لهذا فهي حياة أخرى داخل الحياة..

ومن الأمور اللافتة حول علاقته بعالم الكتب أنه كان يستخدمها علاجًا مع الآخرين، كما قال لي رفيقه وأحد تلامذته، جاسم بن محمد المحيبس، الذي أضاف: خلال زيارتنا له في مكتبته، كان يراعي نفسية من كان حوله، فإن أحس بحزن، أو همّ، أو كدر لدى أحدٍ من الحضور، أحضر كتابًا فيه تسلية للنفس، مثل كتب المازني، فيطلب منّا القراءة، وهو يستمع، ويعلق بطرافة؛ لنضحك معه، وننسى أحزاننا وهمومنا، وإن كان من حوله من أصحاب التخصصات العلمية، أحضر كتبًا علمية نقرؤها، مثل «النسبية» لمصطفى محمود، وغيرها. وإن كان الحضور من أهل الأدب والشعر، يختار ما استجد فيها من نتاج جيد، ويدور النقاش حولها.

وختاماً فقد كان فقيد الأدب والثقافة السعودية، الأستاذ مبارك بوبشيت، حريصًا للغاية على نشر ثقافة القراءة والتعلق بالكتب بين الجميع، ولم يكن يدع فرصة إلا وتحدث فيها أو كتب عن أهمية القراءة في أي مجتمع.