الشيخ الصفار.. التغافل ضرورة أخلاقية لتجنّب العداوات والمعارك الجانبية
أكد الشيخ حسن الصفار أن خُلُق «التغافل» يمثل ركيزةً أساسيةً في بناء العلاقات الاجتماعية المتوازنة، مشيرًا إلى أنه ليس ضعفًا ولا تجاهلًا ناتجًا عن غفلة، بل هو موقفٌ أخلاقيٌّ واعٍ يختاره الإنسان حفاظًا على المودّة واستقرار الحياة.
وأضاف: إن كثيرًا من العداوات والمعارك الجانبية يمكن تجنّبها إذا أحسن الإنسان إدارة مشاعره، وتجاوز عن بعض ما يراه ويسمعه.
جاء ذلك في كلمة ألقاها في منزل الحاج يونس الجارودي بقرية القديح في شهر رمضان المتصرم، حيث استهل حديثه بتهنئة الحضور بليالي الشهر الفضيل، داعيًا إلى اغتنام أجوائه الروحية في تزكية النفس وتهذيب الأخلاق.
وبيّن الشيخ الصفار الفرق بين «الغفلة» و«التغافل»، موضحًا أن الغفلة صفة مذمومة تعني غياب الوعي والانتباه، بينما التغافل هو تعمّد الإعراض عن بعض الأمور مع العلم بها، حفاظًا على العلاقات الناجحة والمفيدة. واستشهد بقول أمير المؤمنين علي
: «نِصْفُ اَلْعَاقِلِ اِحْتِمَالٌ، وَنِصْفُهُ تَغَافُلٌ».
وأوضح أن الإنسان في علاقاته داخل الأسرة أو مع الأصدقاء والزملاء، قد يواجه تصرفات لا تعجبه، وهو أمام خيارين: إما أن يدخل في دوامة الفعل ورد الفعل، أو يختار التغافل، فيتجاوز وكأن الأمر لم يقع، حفاظًا على استقرار العلاقة.
وأشار إلى أن منطلق التغافل هو إدراك طبيعة البشر، إذ لا يخلو إنسان من خطأ أو زلة، وأن من يتعامل مع كل هفوة باعتبارها معركة، سيعيش حالة دائمة من التوتر والمشكلات.
كما حذر من الحساسية المفرطة، التي تجعل صاحبها يفسّر أبسط التصرفات بسوء نية، مبينًا أن كثيرًا من الخلافات تبدأ بكلمة عابرة، أو موقف بسيط، ثم تتضخم بسبب التأويل والانفعال.
وتابع: إن الإنسان الذي يبالغ في التأثر بكل ما يسمع، ويتفاعل مع كل استفزاز، إنما يُرهق نفسه قبل غيره، مستشهدًا بما ورد عن رسول الله ﷺ: «مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ عَذَّبَ نَفْسَهُ»، وبقول الإمام جعفر الصادق
: «أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ اَلْقَلِيلُ مِنْهَا كَثِيرٌ - وذكر منها - اَلْعَدَاوَةُ».
وتوقف الشيخ الصفار عند نماذج من سيرة أهل البيت ”
“، منها موقف الإمام زين العابدين
حينما تعرّض للإساءة فاختار الإعراض، في دلالة على قوة النفس واتساع الصدر. فقد روي أن رَجُلًا اِسْتَطَالَ عَلَيْهِ فَتَغَافَلَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ اَلرَّجُلُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، فَقَالَ لَهُ
«وَعَنْكَ أُغْضِي».
كما أشار إلى ما روي عن الإمام الحسين بن علي
حينما دُعي إلى جدال في الدين، فقال: «أَنَا بَصِيرٌ بِدِينِي مَكْشُوفٌ عَلَيَّ هُدَايَ فَإِنْ كُنْتَ جَاهِلاً بِدِينِكَ فَاذْهَبْ وَاُطْلُبْهُ مَا لِي وَلِلْمُمَارَاةِ وَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ لَيُوَسْوِسُ لِلرَّجُلِ وَيُنَاجِيهِ وَيَقُولُ نَاظِرِ اَلنَّاسَ فِي اَلدِّينِ كَيْلاَ يَظُنُّوا بِكَ اَلْعَجْزَ وَاَلْجَهْلَ»، مؤكدًا أن الثقة والوعي يحولان دون الانجرار إلى جدل عقيم.
وتطرق الشيخ الصفار إلى واقع العصر، خاصة في ظل الفضاء الافتراضي المفتوح، حيث تتكاثر المقالات والتعليقات، والمواقف المثيرة للانفعال، داعيًا إلى أن يحدّد الإنسان القضايا التي تستحق اهتمامه، وألا يجعل نفسه ووقته ساحةً مفتوحة، يفرض الآخرون عليها معاركهم.
وفي ختام كلمته، دعا الشيخ الصفار إلى اغتنام شهر رمضان لاكتساب خصلةٍ من خصال، الخير يلتزم بها الإنسان في سلوكه الدائم، معتبرًا أن «التغافل» يمكن أن يكون إحدى هذه الخصال التي تعزز السكينة الداخلية، وتحفظ العلاقات.
وأكد أن أفضل ما يخرج به المؤمن من الشهر الكريم، هو مكسبٌ أخلاقيٌّ حقيقي، ينعكس أثره في بيته ومجتمعه، سائلاً الله تعالى أن يوفّق الجميع للتحلّي بمكارم الأخلاق، والاستفادة من الأجواء الروحية المباركة.




















