آخر تحديث: 7 / 4 / 2026م - 11:27 م

النفط الفنزويلي ثروة هائلة فوق أرض متعبة

الدكتور ماهر آل سيف *

عاد النفط الفنزويلي إلى الواجهة الدولية في 2026، لا بوصفه مجرد مورد طبيعي ضخم، بل بوصفه ملفًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا معقدًا يجمع بين وفرة الاحتياطي، وتهالك البنية التحتية، وتبدل المواقف الأمريكية، وعودة اهتمام الشركات العالمية بشكل انتقائي لا اندفاعي. ففنزويلا ما تزال تملك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، لكن معظم هذا الاحتياطي يقع في حزام الأورينوكو ويتكوّن أساسًا من النفط الثقيل وفائق الثقل، وهو نفط يحتاج إلى تقنيات متقدمة ومزجٍ بمخففات وبنية تشغيلية قادرة على التعامل معه، ما يجعل استثماره أكثر صعوبة وكلفة من كثير من الخامات الأخرى.

ورغم هذه الصعوبات، شهدت صادرات فنزويلا النفطية انتعاشًا ملحوظًا في مارس 2026، إذ تجاوزت 1.09 مليون برميل يوميًا للمرة الأولى منذ ستة أشهر، مدفوعة بزيادة الشحنات إلى الهند، وإرسال كميات إلى الكاريبي للتخزين، وارتفاع صادرات الشركات والتجار، ومنهم Chevron وبيوت تجارة كبرى مثل Vitol وTrafigura. كما أشارت بيانات رويترز إلى أن فنزويلا كانت من الدول القليلة داخل أوبك التي رفعت إنتاجها في مارس، في وقت تراجعت فيه إمدادات دول أخرى بسبب اضطرابات المنطقة.

لكن هذا التحسن لا يعني أن القطاع عاد إلى عافيته. فجوهر المشكلة ما يزال قائمًا في تقادم المنشآت، وضعف الصيانة، ونقص الاستثمار طويل الأمد، وهشاشة سلاسل التشغيل. ولهذا نقلت رويترز عن تقديرات Wood Mackenzie أن تكاليف التعادل لبعض الدرجات الرئيسية في الأورينوكو تتجاوز في المتوسط 80 دولارًا للبرميل، وهو مستوى مرتفع نسبيًا يفسر لماذا لا تنظر الشركات الكبرى إلى فنزويلا باعتبارها ”فرصة سهلة“ أو مكسبًا سريعًا. كما أشارت تحليلات رويترز إلى أن إضافة 500 ألف برميل يوميًا فقط من المنطقة الرئيسية في الأورينوكو قد تحتاج إلى استثمارات تتراوح بين 15 و 20 مليار دولار خلال العقد المقبل.

من هنا يمكن فهم ما بدا ظاهريًا تناقضًا: فالشركات العالمية موجودة أو عائدة، لكنها لا تتدافع لإعادة بناء القطاع كله دفعة واحدة. شركة Chevron تتوسع في مشاريع نفطية قائمة داخل الأورينوكو، وتسعى إلى تعميق وجودها في مشروع Petropiar ومناطق إضافية غنية بالنفط فائق الثقل، بينما تتحرك Shell في مسار موازٍ يشمل النفط والغاز، مع مفاوضات متقدمة في مجالات بحرية وبرية، خاصة تلك المرتبطة بتغذية مشاريع الغاز في ترينيداد وتوباغو. كما أن شركات مثل Repsol وMaurel & Prom دخلت أو وسعت محادثاتها في السوق الفنزويلية بعد التعديلات القانونية الأخيرة التي منحت الشركاء الأجانب مرونة تشغيلية أكبر.

أما من حيث نوعية الخام، فالصورة أدق من عبارة ”النفط الفنزويلي ثقيل فقط“. صحيح أن الغالبية الساحقة من الاحتياطات هي من الخام الثقيل وفائق الثقل، إلا أن فنزويلا تنتج أيضًا خامات أخف نسبيًا من مناطق أخرى. لذلك فإن تسويق النفط الفنزويلي يرتبط أساسًا بالمصافي القادرة على معالجة الخامات الثقيلة والحامضة، وفي مقدمتها مصافي ساحل الخليج الأمريكي التي صُممت تاريخيًا للتعامل مع هذا النوع من النفط، إضافة إلى مصافٍ في الهند والصين وبعض المرافق في أوروبا والكاريبي التي تلعب أحيانًا دور التخزين أو إعادة التوجيه أو التكرير بحسب طبيعة الشحنة والسوق.

وفي المحصلة، فإن النفط الفنزويلي اليوم ليس ملفًا ميؤوسًا منه، ولا هو كنزٌ جاهز يُستخرج بيسر. إنه ثروة هائلة بالفعل، لكنها ثروة تحتاج إلى رأس مال ضخم، وتقنيات متخصصة، وبيئة سياسية أكثر استقرارًا حتى تتحول من إمكان نظري كبير إلى طاقة إنتاجية مستدامة. ولهذا تبدو فنزويلا في 2026 بلدًا يملك نفطًا كثيرًا، لكنه ما يزال يدفع ثمن سنوات طويلة من التآكل والإهمال والعقوبات وسوء الإدارة.