مشاريع حيّة... بلا حياة
في طرحنا السابق حول ”لماذا تبدأ المشاريع بقوة... ثم تختفي“ وقفنا عند ظاهرة واضحة وصريحة في عالم الأعمال وهي: المشاريع التي تنطلق بحماس عالٍ، ثم تخبو وتغيب عن المشهد، وبيّنا أن الفشل في كثير من الأحيان لا يكمن في البداية، بل في القدرة على الاستمرار ومواجهة تحديات الواقع.
ولكن هناك وجه آخر لا يقل خطورة عنها، بل قد يكون أشد خفاءً وتأثيرًا... وهو ما يُعرف في أدبيات الإدارة الحديثة بـ ”الجمود التنظيمي“ أو ”الاستمرار غير المنتج“؛ فليست كل المشاريع تختفي حين تفشل... فبعضها يبقى يعمل، ويتحرك، ويبدو في ظاهره مستقرًا، لكنه في الحقيقة فقد اتجاهه وفقد بوصلته، وتوقف عن التقدّم والنمو والتطور، دون أن يتوقف عن العمل.
تمامًا كإنسان يعيش حياته بروتين يومي لا ينقطع: يستيقظ، يتحرك، يعمل، لكنه لا يتقدّم، ولا يسير خطوة واحدة إلى الأمام، فلا طموح يتجدّد، ولا رؤية تتسع، ولا نتائج تُذكر، أو يُمكن تشبيهه بشخص موصول بالأجهزة، قلبه ينبض، وأعضاؤه تعمل، لكنه فاقد الوعي، لا يتعافى، ولا ينتهي، بل يبقى معلقًا بين الحياة والموت.
وهنا يحضر ذلك المثل الشعبي البليغ الذي يقول: ”البغل إذا مات لا يزال يرفس“، وهو تصوير دقيق لحالة كثير من المشاريع التي انتهت فعليًا من حيث القيمة والجدوى، لكنها لا تزال تتحرك، وتُنفق، وتُدار، وتُتخذ فيها قرارات... وكأنها حيّة، بينما هي في الحقيقة فقدت روحها منذ زمن.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه:
لماذا تبقى بعض المشاريع أو بعض المؤسسات حيّة شكلاً، لكنها لا تتقدم ولا تنمو ولا تتطور؟ وما المخاطر والأضرار الخفية التي تنتج عن هذه الحالة؟ وكيف يمكن اكتشافها قبل أن تتحول إلى استنزاف صامت يلتهم الوقت والجهد والموارد، دون أن تحقق أي قيمة حقيقية؟
إذا نظرنا إلى الواقع كما هو، سنجد أن هذه الحالة ليست نادرة، ولا استثنائية، بل تكاد تكون مألوفة ومكررة في كثير من القطاعات؛ فكم من مشروع نراه يعمل منذ سنوات، بنفس الشكل، وبنفس الأسلوب، وبنفس النتائج تقريبًا، لا يفشل فيغيب ولا يتقدّم فيبرز، وكأنه عالق في نقطة واحدة لا يُغادرها.
نراها في متجر يحتفظ بنفس طريقة العرض منذ سنوات رغم تغيّر حاجات ورغبات وذائقة العملاء، وفي مؤسسة أو شركة خدمات تعتمد نفس طريقة الإجراءات والتعامل مع العملاء رغم دخول منافسين أكثر مرونة، بل نراها حتى في بعض المشاريع التقنية والإنتاجية وفي البيع والشراء، وما يتعلق بالبناء والإنشاء التي توقفت عند أساليب تقليدية لم تعد تُواكب التحولات الحديثة، بينما العالم من حولها يتطور بسرعة مذهلة.
المشكلة هنا لا تبدأ من ضعف الفكرة أو من ضعف السوق، أو من قلة العملاء، أو من ارتفاع الأسعار، وإن كانت هذه عوامل هامة ومؤثرة، بل تبدأ من لحظة خفية يتحول فيها المشروع من ”السعي للنمو“ إلى ”الاكتفاء بالبقاء“ ومن ”البحث عن الجديد“ إلى ”التمسك بالمألوف والمعتاد“؛ فينشغل بإدارة يومه أكثر من صناعة مستقبله.
وقد وجدت من خلال حديثي مع عدد من أصحاب المشاريع قبل كتابة هذا المقال، أن القاسم المشترك بينهم ليس الفشل بل الرضا الضمني بحالة الركود، حيث يقول أحدهم: ”نحن مستمرون.. والأمور مستقرة“ وكأن الاستقرار أصبح بديلاً عن التقدم، وكأن النجاة من الخسارة تعني تحقيق النجاح.
وهنا تبدأ دائرة التكرار: نفس القرارات، نفس المنتجات، نفس الأساليب، ولكن في سوق لم يعد كما كان، وفي ظروف ليست كالأمس، ومع هذا التكرار يتشكل وهم خطير يُسمى ”الاستمرار يعني النجاح“ وأن ”غياب الخسارة يعني أننا بخير“، بينما الحقيقة أن المشروع الذي لا يتقدم يتقادم، وأن نجاح الأمس لا يعني نجاح اليوم، ومن لم يكن في الزيادة فهو إلى النقصان؛ وهنا لا يكون المشروع عاجزًا عن العمل، بل فاقدًا لروح التطور والتقدم.
أما الأخطر من ذلك، فهو ما يترتب على هذه الحالة من أضرار خفية قد لا تُسقطه فجأة، لكنها تستهلكه ببطء؛ كأن تستهلك وقته، وموارده، بل وتحول فريقه إلى أداء روتيني بلا شغف، ومع مرور الوقت تتآكل قدرته على المنافسة دون أن يشعر.
من خلال التأمل لهذه الظاهرة، يمكنني القول إن بقاء المشاريع حيّة بلا حياة يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة والمتشابكة، ولعل من أبرزها:
1- غياب الرؤية الاستراتيجية
والمقصود بذلك أن المشروع لا يملك تصورًا واضحًا للمستقبل: إلى أين يريد أن يتجه؟ وما موقعه في السوق بعد ثلاث أو خمس سنوات؟ وما القيمة التي يسعى إلى تقديمها؟ فيصبح العمل اليومي بديلاً عن التفكير المستقبلي، ومع الأيام تبتلع التفاصيل الغاية، وتطغى إدارة التشغيل على قيادة الاتجاه؛ فينشغل فريق العمل والمسؤولون بحل المشكلات اليومية والروتينية كالرد على المتطلبات وتكرار الإجراءات، حتى يغيب السؤال الجوهري: هل ما نفعله اليوم يقودنا فعلاً إلى الأمام؟
2- التعلق بنجاح الأمس
بحيث نتعامل مع ما نجح بالأمس وكأنه صالح لكل زمان ومكان، وهذا في رأيي من أكثر الأفخاخ خطورة على المشاريع؛ والسبب لأن السوق لا يحترم الجمود والتوقف، بل يُكافئ القادر على التجديد والتكيّف المستمر مع التغيرات. وقد كانت هذه الفكرة حاضرة في كثير من الأدبيات الإدارية الحديثة، حتى أن أحد العلماء في الإدارة اسمه كلايتون كريستنسن قد أشار في أطروحاته حول الابتكار إلى أن المؤسسات لا تسقط دائمًا بسبب سوء الإدارة الظاهر، بل لأن نجاحها السابق يجعلها أقل استعدادًا لرؤية التحولات القادمة، كما حدث مع شركات كبرى تجاهلت الابتكار التقني لأنها كانت ناجحة بما يكفي.. حتى فقدت موقعها.
3- الخلط بين النشاط والإنجاز
فكثير من أصحاب المشاريع حين يُسألون عن وضع مؤسساتهم يُجيبون السائل بعبارات من قبيل: ”نحن نعمل ولدينا عملاء كثيرون، الحركة موجودة“، وهي إجابات لا تُعبر عن عمق الحقيقة؛ فلا يمكن اعتبار كل حركة تطورًا، ولا كل استمرار نجاحًا، فقد يكون المشروع مشغولاً جدًا، لكنه في حقيقة الأمر لا يُحقق نموًا حقيقيًا، أو لا يضيف قيمة متجددة للسوق، بل يدور في المكان نفسه.
وهنا تظهر إحدى أخطر الأوهام الإدارية وهي: الامتلاء بالحركة، وقد أشار إلى ذلك عالم الإدارة بيتر دراكر بمعناه الإداري العميق، إلى أن الكفاءة ليست أن تفعل الأشياء بشكل صحيح فحسب، بل الفاعلية أن تفعل الأشياء الصحيحة؛ ويعني ذلك أن الانشغال لا يساوي التقدم، وأن كثرة العمل لا تعني بالضرورة تحقيق النتائج، بل قد تكون مجرد استهلاك منظم للوقت دون أثر حقيقي.
إنني أظن أن أخطر ما في حالة ”المشاريع الحيّة بلا حياة“ أنها لا تُعلن عن نفسها، ولا تأتي على شكل انهيار مفاجئ كالإفلاس أو التوقف الكامل، بل تتسلل بهدوء وتستقر في تفاصيل العمل اليومية، حتى تُصبح جزءًا من الوضع الطبيعي مثل الروتين أو غيره، وهنا تكمن الخطورة.
ولذلك فإنني أرى أن الخروج من هذا الجمود لا يبدأ بإجراءات تشغيلية أو قرارات إدارية سريعة، بل يبدأ أولاً بالاعتراف بأن ”الاستمرار“ في نفس الأسلوب أو نفس النتائج أو نفس الروتين، ليس بالضرورة نجاحًا أو مؤشرًا على الصحة المؤسسية.
ومن هنا يمكن الإشارة إلى عدد من الحلول العملية التي يمكن من خلالها استعادة روح التقدّم وإعادة توجيه المسار، ومن تلك المؤشرات هي:
1- إعادة طرح السؤال الجوهري: هل ما نقوم به اليوم يقودنا إلى حيث ما نُريد؟ وهل نحن نتحرك للأمام.. أم ندور في حلقة مفرغة؟ وهل المطلوب منا أن نعمل أكثر.. أم نعمل لنتقدّم ونتطور ونتحسن؟
2- إدراك أن الاستقرار في بيئة متغيرة وهم؛ فالاستقرار في بيئة متغيرة ليس استقرارًا حقيقيًا، بل تأجيل للتراجع وتراكم الفجوات؛ فالسوق لا يقف والعملاء لا ينتظرون، والمنافسون لا يكررون أنفسهم، وبالتالي فإن التمسك بما هو قائم أو مألوف دون تطوير هو في الحقيقة انسحاب تدريجي من المنافسة دون إعلان.
3- التحول من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل؛ حيث هناك فرق كبير بين من ينشغل بما يحدث، ومن يصنع ما يجب أن يحدث، تمامًا كمن يطفئ الحرائق اليومية، ومن يبني نظامًا يمنع اشتعالها من الأساس؛ ولذلك لا بد من تخصيص وقت وجهد للتفكير في المستقبل، لا أن يُستهلك كل الوقت في التعامل مع الحاضر فقط.
4- التمييز بين المشروع الذي يعمل والمشروع الذي ينمو، وبين المشروع الحيّ والمشروع المتقدّم؛ فالأول ”يعمل“ أو ”يُسيّر نفسه“ كما يقولون، أما الثاني ”فينمو“ و”يُجدّد نفسه، ويُعاد تشكيله باستمرار“؛ فالحياة بلا نمو ليست إلا شكلاً من أشكال التوقف المقنّع.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يتوقف المشروع عند لحظة ضعف أو تراجع، فالتوقف رغم قسوته يظل حدثًا واضحًا يمكن مواجهته والتعامل معه، بل قد يكون بداية وعي جديد، ولكن المشكلة الحقيقية أن ”يستمر“ المشروع دون أن يُنجز أو يتقدّم خطوة للأمام، وأن يبدو ناجحًا في الظاهر بينما هو في داخله يستهلك نفسه بصمت.
فالمشاريع لا تموت دائمًا بالسقوط... بل كثير منها يموت بالبقاء في المكان نفسه، وقد قيل ”من لم يتقدّم يتقادم“، ومن لم يكن في الزيادة فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خيرٌ له من الحياة.











