آخر تحديث: 5 / 4 / 2026م - 10:54 م

حربٌ جَرَت صدمةً لاقتصاد العالم فماذا فعلنا؟!

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

هل العالم فعلاً يعايش صدمة اقتصادية فعلاً؟ يبدو الأمر كذلك، فقد وصفَتها مجلة The Economist في عددها الأخير «مارس 2026» بأنها «الأكبر من نوعها في تاريخ أسواق الطاقة العالمية»، محذرة من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى تداعيات كارثية حتى في أفضل السيناريوهات، بينت الوكالة الدولية للطاقة «IEA» في تقريرها لشهر مارس 2026 أن الخسارة في الإمدادات بلغت 8 ملايين برميل يومياً، ووصفتها بأنها «أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمي»، متجاوزة حتى صدمات السبعينيات وحرب أوكرانيا.

إذن العالم أمام صدمة، لم تقتصر على قطاع الطاقة فحسب، بل امتدت إلى سلع وخدمات أخرى حيوية؛ إذ أدى الاضطراب إلى ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة تجاوزت 30% بسبب تعطل إمدادات الغاز والكيماويات من منطقة الخليج العربي، مما يهدد الإنتاج الزراعي العالمي في الموسم المقبل، وأدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً بنسبة تراوحت بين 8% و 15% في بعض السلع الأساسية مثل القمح والذرة وزيت الطعام.

كما شهدت تكاليف الشحن البحري والتأمين على السفن ارتفاعاً حاداً، مع زيادة تصل إلى 150% في بعض الخطوط الآسيوية - أوروبية.

وقد أثرت هذه الصدمة سلباً على استقرار الأسعار عالمياً، حيث شهدت أسعار السلع الأساسية «الطاقة، الأسمدة، والمواد الكيماوية» تقلبات حادة وارتفاعاً عاماً، مما زاد من ضغوط التضخم العالمي، فوفقاً لتقرير منظمة OECD الصادر في مارس 2026، من المتوقع أن يصل التضخم في دول مجموعة العشرين «G20» إلى 4.0% في عام 2026، أي بارتفاع قدره 1.2 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة. كما رفعت المنظمة توقعاته للتضخم في الولايات المتحدة إلى 3.8% لعام 2026، مما يجعل من المستبعد خفض سعر الفائدة على الدولار الأمريكي في النصف الأول من العام، بل قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الحفاظ على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وهي أزمة طالت ليس فقط الاقتصاد الحقيقي، بل كذلك بان أثرها في الأسواق المالية، فقد أدت إلى اضطراب واسع، مع تراجع أسعار الأسهم في البورصات العالمية، وارتفاع عوائد السندات الحكومية مما قد يكون له تداعيات هائلة على الاستقرار المالي للدول، مما يعكس حالة من عدم اليقين والتوتر الشديد في الأسواق. كما حذر البنك المركزي الأوروبي «ECB»، من أن هذه الصدمة قد تؤدي إلى ركود تضخمي، بدأت الحرب في 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية - إسرائيلية على إيران، وتصاعدت سريعاً مع ردود إيرانية شملت هجمات صاروخية وطائرات مسيرة استهدفت السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وخلال الأسابيع الخمسة الأولى، شكّلت هذه الأحداث صدمة عَرض «Supply Shock» كلاسيكية على المستوى العالمي، إذ أدى إغلاق مضيق هرمز فعلياً إلى تعطل جزئي في إمدادات النفط الخام من أكبر منطقة تصدير في العالم، وقد انعكس ذلك ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة، وانتشرت عدوى الصدمة إلى أسواق السلع والأسواق المالية العالمية «بما في ذلك أسواق السندات والأسهم»، وزادت مخاطر معاودة التضخم العالمي للارتفاع، واضطربت سلاسل التوريد تفادياً لبؤر التوتر.

ومن حيث الشدة، تُعد صدمة العرض من أخطر أنواع الصدمات الاقتصادية، لأنها تؤدي إلى انخفاض كمية السلع والخدمات المتاحة في الاقتصاد مع ارتفاع تكاليف الإنتاج في الوقت نفسه. ومن الناحية النظرية، تؤدي صدمات العرض السلبية إلى ظاهرة الركود التضخمي «Stagflation»، حيث يرتفع التضخم وتنخفض معدلات النمو الاقتصادي في آن واحد.

ووفقاً للنظرية الاقتصادية، فإن التعامل مع صدمات العرض يختلف عن صدمات الطلب؛ إذ لا ينفع فيها التحفيز النقدي أو المالي التقليدي وحده، بل يتطلب مزيجاً من السياسات: زيادة المعروض من خلال الاحتياطيات الاستراتيجية، تشجيع الاستثمار في مصادر بديلة، وفي بعض الحالات رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، حتى لو كان ذلك على حساب النمو، وأحد الأمثلة الساطعة لصدمة عرض عالمية سابقة هي أزمة النفط العام 1973، التي نجمت عن حظر النفط العربي، حيث ارتفع سعر برميل النفط أكثر من أربعة أضعاف، مما أدى إلى ركود تضخمي عالمي استمر لسنوات وأجبر الدول الصناعية على إعادة هيكلة سياسات الطاقة، وهو جهد امتد لعقود ليثبت عدم جدواه في نهاية المطاف، كما نشاهد حالياً حيث تعاني أوربا من ”توعك“ مزمن بسبب امدادات الطاقة.

كيف تعاملت السعودية مع ”صدمة العرض“ هذه؟ أظهرت ردة الفعل العالمية، خلال الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب، اهتماماً واسعاً بتعامل السعودية الفعّال والناجز مع الصدمة، وتحويلها إلى فرصة أبرزت - على المحك الميدان - مرونتها اللوجستية والتصديرية؛ فقد سلطت تقارير من وكالات مثل رويترز وغلوبال تريد ريفيو وسواهما الضوء على السرعة التي تمكنت بها السعودية من تحويل مسار صادراتها النفطية عبر خط أنابيب شرق - غرب «بترولاين» إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً، مما سمح بإعادة توجيه نحو 85% من الصادرات النفطية بعيداً عن مضيق هرمز في أقل من 72 ساعة، كما ارتفعت صادرات الخام من ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى نحو 4.6 - 5 ملايين برميل يومياً، مقتربة من الطاقة القصوى للميناء «حوالي 5 ملايين برميل يومياً».

وفي الجانب غير النفطي، أعلنت هيئة الموانئ السعودية «موانئ» عن فتح ممرات لوجستية جديدة وإضافة خدمات بحرية مع شركات عالمية كبرى مثل ميرسك وCMA CGM, مما سمح باستيعاب آلاف الحاويات المعاد توجيهها من موانئ الخليج العربي. كذلك، شهد ميناء جدة الإسلامي زيادة في حصته من السفن الواصلة إلى المملكة من 64% إلى 76%، مع إعفاءات تخزين لمدة 60 يوماً وتخصيص ممرات تشغيلية لتخفيف الضغط.

وفي الجانب البري، سجلت المنافذ الحدودية السعودية خلال الخمسة أسابيع الأولى من الحرب زيادة ملحوظة في حركة الشاحنات العابرة من وإلى الدول المجاورة والمحيطة، ووفقاً لبيانات الهيئة العامة للزكاة والضريبة والجمارك، سجلت المنافذ البرية السعودية 88,109 شاحنة متجهة إلى دول مجلس التعاون خلال الفترة من 1 إلى 25 مارس 2026. وكان معبر البطحاء الأكثر نشاطاً بنحو 41,229 شاحنة متجهة إلى الإمارات، يليه جسر الملك فهد إلى البحرين بـ 13,486 شاحنة، ومعبر سلوى إلى قطر بـ 11,227 شاحنة.

أما المنافذ المرتبطة بالكويت، فقد سجل معبر الخفجي 10,437 شاحنة، ومعبر الرقعي حوالي 5,255 شاحنة. أما المنافذ الشمالية المرتبطة بالأردن وسوريا وتركيا، فقد شهدت زيادة في الحركة بنسبة تقارب 35-40% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، مع تركيز واضح على نقل المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.

وعملياً، فقد عزز هذا الأداء التوسعي والارتقاء السريع للتعامل مع الصدمة دور المملكة كمركز لوجستي إقليمي رئيسي يربط بين دول الخليج العربية والمشرق العربي، ومنها إلى العالم. أما على المستوى السعودي، فقد أظهر الاقتصاد قدرة عالية على التكيف الاستباقي، وذلك على محورين رئيسيين: السلعي والخدمي «اللوجستي». سلعياً، اعتمدت المملكة على مخزوناتها الاستراتيجية الضخمة من السلع الضرورية، التي تكفي لتلبية الطلب المحلي من السلع الأساسية مثل القمح والأرز والشعير والسكر وزيت الطبخ.

وقد سمح هذا المخزون بالحفاظ على استقرار الأسعار والإمدادات في الأسواق المحلية، مما طمأن المستهلكين ومنع حدوث أي نقص ملحوظ أو هلع شرائي خلال الأسابيع الخمسة الأولى. أما خدمياً، فقد استغلت المملكة موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين الخليج العربي والبحر الأحمر، ووسّعت نطاق منظومتها اللوجستية لتشمل اتجاهات جنوبية وشمالية، مما مكّنها من ربط المنطقة المحيطة بدول مجلس التعاون والأردن وسوريا.

يمكن تناول التأثيرات الرئيسية حتى الآن من خلال خمسة محاور أساسية:

*النفط: ارتفعت أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 15% و 50% «حسب الخام» منذ بداية الحرب، متجاوزة في بعض الفترات 120 دولاراً لبرميل برنت، نتيجة تعطل الإمدادات. وقد دعم ذلك الإيرادات النفطية السعودية في الأجل القصير، خاصة مع قدرة المملكة على إعادة توجيه الصادرات بفعالية.

*الاستهلاك الخاص: حافظ الاستهلاك على نشاطه النسبي رغم الظروف. ففي الأسبوع المنتهي في 28 مارس 2026، بلغت مشتريات نقاط البيع حوالي 13 مليار ريال، مقارنة بـ 14.8 مليار ريال في الأسبوع السابق «انخفاض قدره 1.8 مليار ريال أو نحو 12%». وتركز الانخفاض بشكل أساسي في قطاع الملابس والإكسسوارات، بينما شهد الإنفاق ارتفاعاً ملحوظاً على المطاعم والمقاهي، وهو ما يُعزى جزئياً إلى التأثيرات الموسمية المرتبطة بعيد الفطر.

*السيولة: ظلت مستويات السيولة في الاقتصاد مناسبة ومستقرة، حيث بلغ عرض النقود «M3» مستوى قياسياً قدره 3,218 تريليون ريال، مما يوفر دعماً قوياً للائتمان والنشاط الخاص.

*التضخم: استقر مؤشر أسعار المستهلك عند 1.7% على أساس سنوي في فبراير 2026، مع ثبات شهري. حافظت المملكة على أسعار الوقود المحلية دون أي تغيير «بنزين 91:2.18 ريال/لتر، بنزين 95:2.33 ريال/لتر، ديزل: 1.79 ريال/لتر»، مما جعلها تحتل المرتبة الثانية الأدنى بين دول مجلس التعاون الخليجي بعد الكويت. كما بقيت أسعار السلع الضرورية مستقرة نسبياً مقارنة بدول المنطقة، حيث سجلت السعودية أسعاراً أقل ارتفاعاً في مجموعة الغذاء والمشروبات مقارنة ببعض الدول المجاورة، وذلك بفضل الدعم الحكومي والمخزونات الاستراتيجية «وفق نشرة مؤشر أسعار المستهلك الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء».

*آفاق النمو: يُعد مؤشر مديري المشتريات «PMI» غير النفطي أحد أبرز المؤشرات الرائدة التي تقيس مستوى النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص، حيث يعكس أي قراءة فوق 50 نقطة نمواً، وكلما ارتفعت القيمة زاد قوة النمو. وقد سجل مؤشر PMI غير النفطي لشهر فبراير 2026 قيمة 56.1، وهي الأعلى بين دول منطقة الشرق الأوسط خلال الشهر، مما يعكس نمواً قوياً ومستمراً في القطاع الخاص غير النفطي رغم التباطؤ الطفيف مقارنة بشهر يناير. ويأتي هذا النمو مدعوماً بزيادة ملحوظة في التوظيف والنشاط التجاري، مع استمرار الطلب المحلي القوي وتدفق المشاريع الجديدة.

أما خط أنابيب شرق - غرب «بترولاين» فقد أدى دوراً حاسماً في التخفيف من التأثيرات، إذ سمح باستغلال كامل سعته ليصل إلى 7 ملايين برميل يومياً في الأسبوع الأخير من مارس 2026، بعد أن كانت صادرات النفط السعودي قد تراجعت إلى نحو النصف نتيجةً لتعطل حركة التصدير عبر مضيق هرمز، وقد مكّن ذلك من إعادة توجيه الصادرات بعيداً عن مضيق هرمز، مما حدّ من فاقد الصادرات النفطية وساهم في الحد من تأثير الإغلاق على الأسواق العالمية.

في المحصلة، وبناءً على المعطيات المتاحة حتى الآن، يمكن القول إن التأثير على الناتج المحلي والقطاع الخاص سيكون محدوداً في حال انتهاء الحرب قريباً. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 4.5% في 2025 «مع 5% في الربع الرابع»، فيما كانت التقديرات قبل الحرب تشير إلى نمو مشابه «~4.5-4.6%» لعام 2026. خيارات العالم في مواجهة صدمة العرض في حال استمرار الحرب

في حال طال أمد الصراع، ستكون الخيارات المتاحة أمام الاقتصاد العالمي محدودة، ولكنها متعددة: الإسراع في سحب المخزونات الاستراتيجية من النفط، وتفعيل اتفاقيات الطوارئ بين الدول المستهلكة، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، والبحث عن مصادر بديلة «خاصة من الولايات المتحدة والبرازيل وكندا».

كما قد يلجأ العالم إلى التنسيق الدولي عبر منظمة أوبك+ أو مجموعة العشرين لتثبيت الأسعار. وفي هذا السياق، تقف السعودية في موقع محوري، ليس فقط كأكبر مصدر للنفط، بل كمنتج قادر على زيادة الإنتاج بسرعة، وكونها تمتلك أكبر قدرة احتياطية وأكثر خطوط أنابيب مرونة في العالم.

وقد أثبتت المملكة بالفعل قدرتها على لعب دور استقراري عالمي من خلال إعادة توجيه الصادرات عبر خط بترولاين، ودعم دول مجلس التعاون الخليجي، مما يجعلها شريكاً أساسياً في أي جهد دولي لاحتواء صدمة العرض وتخفيف آثارها على الاقتصاد العالمي.

وعند انقضاء الحرب ستثبت التجربة أن موقع المملكة فعلاً استراتيجي ويربط بين ثلاث قارات، وأن تجهيزاتها اللوجستية التي تتحقق من خلال تنفيذ مبادرات الاستراتيجية للنقل قد أتت أكلها بامتياز، وأن مكاسبها ليست فقط عوائد على الاقتصاد السعودي، بل كذلك على دول المنطقة، كما هو مستهدف الرؤية في ترسيخ مكانة السعودية كمركز لوجستي عالمي ورفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10% «بلغت 6.2% نهاية 2025»، وزيادة الإيرادات غير النفطية إلى 45 مليار ريال سنوياً بحلول 2030. وهكذا، وفي مقاربة مع المثل الياباني ”قد تحتاج إلى سيفك مرة ًواحدةً فقط في حياتك، لكن عليك دائماً حمله“، وسيفنا كان سيوفاً، أحدها ”سيف“ المنظومة اللوجستية، وقد حملناه وكان سيفاً قاطعاً ماضياً.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى