بين الإنسان والحيوان: من الذي يحتاج إلى درس أخلاق؟
في أول سنة لي في كلية الطب البيطري «التخصص الذي لم أكمله، ثم غيّرت مساري لاحقًا»، درست مقررًا اسمه سلوكيات الحيوان.
في البداية، كنت أتعامل معه على أنه مادة أكاديمية لا أكثر: مفاهيم، وتصنيفات، وملاحظات، وتطبيق عملي نراقب فيه الحيوانات ونسجل سلوكها في تقرير يُسلَّم في نهاية الفصل. لكن ما لم أكن أتوقعه هو أن هذه المادة، رغم بساطتها الظاهرة، ستترك في ذهني أثرًا أكبر مما تركته بعض المواد الثقيلة.
في الجزء العملي، وُضعتُ في جهة الأبقار والثيران، وصرت أراقب تصرفاتها، وأدوّن ملاحظاتي، وأحاول فهم ما يجري أمامي بلغة علمية. ومن المصطلحات التي علقت في ذهني وقتها مصطلح abnormal behavior, أي: السلوك غير الطبيعي أو غير السوي ضمن السياق السلوكي للحيوان. ولم يكن المصطلح يُستخدم على سبيل الشتيمة أو السخرية، بل كوصف علمي لسلوك يخرج عن النمط المتوقع أو المألوف في ذلك الكائن.
لكن الذي حصل لاحقًا أن هذا المصطلح لم يبقَ محصورًا في قاعة الدرس ولا في الحظيرة.
مع الوقت، صار ذهني - بشكل تلقائي - يستدعيه كلما رأيت بعض تصرفات البشر. وكنت، وأنا أراقب الحيوانات، أحاول أن أقارن بينها وبين الإنسان، لا من باب التسلية فقط، بل لأن بعض المشاهد كانت تفتح بابًا واسعًا للتأمل: كيف يمكن لكائن لا يملك خطابًا أخلاقيًا، ولا نصوصًا دينية، ولا قوانين مكتوبة، أن يكون سلوكه أحيانًا أكثر اتزانًا من سلوك بعض الناس؟
هنا بدأت الفكرة تكبر في رأسي:
فالإنسان يتكلم كثيرًا عن العقل، والقيم، والوعي، والدين، والضمير، لكنه أحيانًا يتصرف بطريقة تجعلك تستعيد مباشرة ذلك المصطلح القديم: abnormal behavior.
فالحيوان - على الأقل - لا ”يتفلسف“ حول سلوكه، ولا يعيد صياغة خطئه بلغة مقبولة، ولا يبحث عن مبررات أخلاقية لينجو من النقد.
أما الإنسان، فبوسعه أن يرتكب الخطأ، ثم يجمّله، ثم يدافع عنه، ثم يطلب منك احترامه. وهنا تصبح المشكلة مضاعفة: ليست في السلوك نفسه فقط، بل في الوعي الذي يُستخدم لتبريره.
الحيوان لا يملك شريعة مكتوبة، ولا كتابًا سماويًا، ولا يقرأ كتبًا في الأخلاق، ولا يحضر محاضرات في السلوك والتهذيب.
ولنقلها بصراحة ساخرة: الأبقار مثلًا لم يبعث الله فيها نبيًّا بقريًّا ليقول لها: ”اضبطوا نزواتكم داخل الحظيرة“، ومع ذلك ترى في سلوكها أنماطًا من التنظيم، والتبادل، والتعاون، واحترام الحدود الفطرية.
بل إنك قد تجد في عالم الحيوان صورًا من تبادل المنافع والتعايش الطبيعي، بينما تجد بعض البشر - مع كل ما أُعطوا من عقل وتعاليم وقيم - يتصرفون بطريقة أدنى من ذلك كله.
بعض الناس يختصر أخطاءه كلها في كلمة واحدة: ”الغريزة“ وكأن هذه الكلمة السحرية كافية لتبرير كل انحدار، مع أن الإنسان يعرف الصح من الخطأ، نعم الغريزة ليست شيئًا نختاره، لكنها أيضًا ليست شيئًا يُعفينا من المسؤولية وكأن الإنسان خُلق بلا عقل، ولا ضمير، ولا وازع ديني أو أخلاقي يضبط اندفاعه.
هي موجودة فينا كما يوجد الجوع، والعطش، وحب البقاء، والرغبة، والانفعال. لا يمكن إلغاء الغريزة، لأنها جزء من التكوين البشري، لكنها في الوقت نفسه ليست قائدًا أعلى يجب أن نستسلم له بلا قيد ولا نظام.
فالمسؤولية الحقيقية لا تبدأ من قتل الغريزة، بل من تهذيبها، وتنظيمها، وتقييدها بما يجعل الإنسان إنسانًا، لا مجرد كائن مندفع.
فلو أخذنا هذا المنطق على إطلاقه، لصار بوسع أي جائع أن يأكل أي شيء ويقول: ”غريزة الجوع مو بيدي“، وبوسع أي غاضب أن يبطش بعائلته ويقول: ”سلوكي العدواني مو بيدي، عندي عقد نفسية“، وبوسع أي شهواني أن يتجاوز حدوده الفطرية ويقول: ”مو بيدي، عندي هرمونات زايدة“.
ثم يُطلب منا بعد ذلك أن نلتمس له العذر، وكأن الإنسان مخلوق منقاد بطبعه، ولا يملك أي مسؤولية تجاه نفسه أو غيره.
لكن الواقع مختلف؛ فالإنسان لا يُقاس بوجود الغرائز فيه، بل بقدرته على ضبطها.
وهنا تحديدًا يظهر دور الدين، والأخلاق، والتربية، والضمير؛ فهي التي تضع الضوابط والتشريعات لحياة الإنسان، وهي التي تميّزه عن الحيوان. وهذه الضوابط ليست مجرد ميزة إضافية في حياة الإنسان، بل هي الحاجز الذي يفصل بين الطبيعة البشرية السوية والانحدار الذي يحاول البعض تجميله بمصطلحات ناعمة.
فالإنسان السوي يقول: ”الغريزة موجودة في داخلي، لكن عليّ أن أضبطها.“ أما من يريد أن يطلق دوافعه بلا قيد، ثم يطلب من المجتمع احترام ذلك، فمشكلته ليست في الغريزة، بل في رفضه لفكرة الضبط نفسها؛ كأن النزوات عنده حقوق مكتسبة يجب الحفاظ عليها، وكأن كبحها قمع، وتهذيبها حرمان.
وأخيرًا، بعد مراقبة طويلة لسلوك البشر والحيوانات، أصل إلى نتيجة محرجة فعلًا:
ليست المشكلة أن بعض البشر يتصرفون كالحيوانات… بل إن المشكلة أن هذا الوصف قد يظلم الحيوانات نفسها.












