آخر تحديث: 3 / 4 / 2026م - 9:45 م

مفهوم القراءة الاشتباكية

يوسف أحمد الحسن * صحيفة الجزيرة

القراءة الاشتباكية هي نمط في القراءة يعني التركيز على التفاعل النقدي مع النص وعدم الاكتفاء بمجرد أخذ المعلومات والتسليم بها بحيث يغدو القارئ كمن سلم عقله للكاتب، وبحيث تكون القراءة شبيهة بمشاهدة التلفاز العادي حين تصل المَشَاهد والمعلومات للمُشاهد باتجاه واحد دون وجود إمكانية للتفاعل معها أو الرد عليها؛ فعلى العكس من ذلك ينبغي للقارئ أن يكون لديه موقف ذهني من النص، وأن يقرأ بوعي كامل، وأن تكون لديه النية والرغبة منذ البداية في مناقشته وتحليله وتقييمه، وربما معارضته، مقتنعًا بأن ليس كل ما يرد في كتاب مطبوع صحيحًا.

هذا النوع من القراءة «التي يسميها البعض قراءة نشطة» يساعد على فهم أعمق للنص، وتبين نقاط ضعفه وقوته، وعدم الاكتفاء بفهم ما يقرأ أو الاستمتاع به، وهي ما تلخصه عبارة «القراءة الاشتباكية»، حيث التحرر من سلطة النص هي كلمة السر في هذا المفهوم.

أما آليات هذه القراءة فتتضمن عدة أمور؛ منها التفكير في المقروء، وهو ما يتطلب بالضرورة التأني في القراءة، ووضع إشارات إعجاب تحت ما يعجبك، أو كتابة تعليقات عليها في الهوامش، وطرح أسئلة وعقد مقارنات بينها وبين مثيلاتها في كتب أو مواد قرائية أخرى، أو وضع علامات استفهام بجانبها على الأقل، مع التوقف بين كل فقرة وأخرى. يجب على القارئ أيضًا ألا يستبعد التشكيك أو الاعتراض، أو حتى طرح أفكار معارضة لما يقرأ، وألا يضفي على الكتب هالة من القدسية ما دام أنه يقرأ كتابًا كتبه بشر يصيبون ويخطئون، كما يجب ألا تمنعه شهرة الكتاب أو الكاتب عن الاشتباك به.

ويمكن أن تتضمن الآليات فحص حجج وافتراضات ما يُقرأ، وحتى التأكد من المراجع المستخدمة فيه، مع التنبه إلى ما لم يُذكر فيه أيضًا؛ إذ إن غياب بعض المعلومات عنه قد يكون مقصودًا لحجب جانب من الحقيقة، وهو ما قد يتعسر اكتشافه بغير هذا النوع من القراءة. كل هذا مع التيقظ إلى بعض الكتب التي تبدو عميقة في ظاهرها من أثر العبارات المنمقة والحال أنها ضحلة فكريًّا.

وهكذا فإن علاقة القارئ بالكتاب لا تنتهي عند آخر صفحة، بل يبقى داخله مثيرًا مزيدًا من الأسئلة، ومتداخلًا أو متقاطعًا مع مواد أخرى يقرؤها، موجدة حالة من التلاقح المعرفي، ومحولة القارئ من مجرد مستهلك للمعرفة إلى منتج لها.

ختامًا ينبغي ألا نعُد هذا النوع من القراءة تعاليًا على النصوص أو سلوكًا قرائيًّا عدوانيًّا، بل على العكس من ذلك فبالاشتباك بها فإن القارئ يعلن احترامه لها وأخذها على محمل الجد.