آخر تحديث: 30 / 3 / 2026م - 11:12 م

مراجعة عميقة

قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه: 111].

الآية الكريمة تحمل في طياتها رفعًا لغطاء الأوهام الدنيوية، وتعيد للمرء رشده بعد أن تضخّمت عنده الأنا وعاش زيف القوة والاقتدار، فكل تلك الصور والتقييمات الزائفة لمن ضلّ الطريق وعاش حياة الأهواء والشهوات تضمحل عند الوقوف بين يدي العدالة الإلهية يوم القيامة، إن تلك النفوس تقف خاضعة ذليلة قد فقدت كل مقومات وأسباب القوة حيث لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، وتعبّر الآية الكريمة بدقة عن ذلك المشهد بعنو الوجوه أي الخضوع التام والانقياد الكامل للمحكمة الإلهية المنصوبة للحساب والجزاء، فتهفو وتضمحل كل المظاهر من القوة والجبروت في الدنيا ولا تبقى إلا حقيقة غابت عن النفوس الظالمة والغافلة وهي العبودية المطلقة لله تعالى، وأما من عاش حياة الورع عن محارم الله تعالى والخوف من عظمته والاستقامة في أفعاله وأقواله فهو في أمن من الفزع والذهول في ذلك اليوم العظيم.

وأما السر في تخصيص العنو أي الخضوع لجزء من بدن الإنسان وهو الوجه، فذلك لأنه أشرف أعضاء الإنسان ومظهر كرامته واقتداره ورمزية الوجود، فإذا خضع الوجه فقد خضع الإنسان كله، وهذا الخضوع في يوم القيامة لمن عاش حياة الجحود والعناد والاستكبار والإعراض عن آيات الله تعالى، وإذا كانت ثمّة مفارقة وتباين بين العباد في الدنيا بين خاضع للقدرة الإلهية ومتمرد عليها، فاليوم تظهر حالة المشابهة والتماثل بينهم في يوم القيامة، فالكل قد انكشفت لديه عظمة الله تعالى وهيبته، فمبدأ الافتقار إلى الرحمة والتدبير الإلهي قد انكشف في الدنيا لفئة وزمرة الصالحين المطيعين لله تعالى، وأما في يوم القيامة يدرك الإنسان - كل إنسان - حقيقة فقره وافتقاره إلى قدرة خالقه والمنعم عليه.

هذا المشهد العظيم يعيد رسم الخريطة الذهنية للإنسان ويدعوه لإعادة حساباته وترتيب أوراقه وفق أهم الحقائق الثابتة، وهي أن الإنسان قد خلقه الباري وفق منهجية التكامل والسير المتوافق مع كرامته وعزته، فطريق الاستقامة والورع عن محارم الله تعالى هو ما يتناسب مع فطرته وعقله الواعي، ولكن زيف المظاهر والتزيين الشيطاني والافتتان بزخارف الدنيا يأخذه بعيدًا نحو وهم القوة والاقتدار والاستغناء والاستكبار وطغيان النفس، ومن عاش في الحياة الدنيا أسير تلك الأوهام قد انكشفت أمامه الحقيقة فعنت وجوه الغافلين للقدرة الإلهية بعد أن وقفت على جلالة وعظمة الخالق العظيم.

وقد وصفت الآية الكريمة الله تعالى بالأسماء الإلهية الجامعة لمعاني الكمال بصفتي الحي القيوم، فالحي هو الذي لا يعتريه موت ولا فناء؛ حياة أزلية أبدية، بينما القيّوم هو القائم بذاته المقيم لغيره الذي يقوم به نظامُ الوجودِ كله، وفي ضوء هذه الحقيقة يدرك الإنسان أن كل ما في الدنيا من قوة أو ملك إنما هو عارض وزائل، وأن البقاء والقيام الحقيقي إنما هو لله تعالى وحده، وبذلك يتضح أن خضوع الخلائق يوم القيامة هو خضوع نابع من إدراك الحقيقة الوجودية، إذ يرى الإنسان أن كلَّ شيءٍ كان يستند في وجوده إلى الله القيّوم.

وتأتي الجملة الثانية من الآية لتقرر قاعدة أخلاقية خطيرة: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ، فالخيبة هنا تعني الخسران التام وفقدان الأمل في النجاة، والظلم في المفهوم القرآني يشمل ظلم الإنسان لربه بالشرك والعصيان، وظلمه لنفسه بارتكاب المعاصي، وظلمه للآخرين بالتعدي على حقوقهم، فالإنسان قد ينجو من بعض الذنوب بتوبة أو مغفرة، لكن ظلم العباد يبقى معلّقًا حتى تُعاد الحقوق إلى أصحابها.