آخر تحديث: 29 / 3 / 2026م - 8:00 م

الحرب بعيون البنوك العالمية: تضخم وركود

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

هل تمثل الحرب الدائرة بين أمريكا و”إسرائيل“ مع إيران هزةً للاقتصاد العالمي؟ لعل الإجابة البديهية هي نعم قاطعة، لكن التكهنات تتفاوت، لكن واقعاً كيف كان التأثير خلال الشهر الماضي؟ وطلباً للتحديد لنأخذ الإجابة من منظور البنوك الكبرى في العالم. ولعل من المناسب الاستباق بالقول أن التقارير الصادرة عن البنوك الرئيسة في العالم تُحذر من أن الأسواق حالياً تقلل من احتمالية استمرار الصراع، مما يجعلها عرضة لمفاجآت سلبية في حال طال أمد الحرب أو اتسع نطاقها، إذ انها تتمحور مخاطرها حول إغلاق مضيق هرمز وامتداد أمد الحرب، في حين أن هناك متغيرات عدة لم تأخذها التقارير بعين الاعتبار - منها السلبي كما سبقت الإشارة، ومنها الإيجابي والتي لم تتضمن النماذج القياسية للبنوك تأثيرها، ولعل في مقدمتها المرونة التي أبدتها المنظومة اللوجستية السعودية المرونة اللوجستية التي وفرتها السعودية لتجاوز تحدي إغلاق مضيق هرمز، ففيما يتصل بتصدير النفط نجحت السعودية في الحفاظ على تصدير النفط بمعدلات قريبة من المستويات الطبيعية رغم التهديدات بإغلاق مضيق هرمز. اعتمدت أرامكو بشكل أساسي على خط الأنابيب شرقي - غرب الذي ينقل النفط من الحقول في شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بسعة وصلت مؤخراً إلى 7 ملايين برميل يومياً، وخلال الأسابيع الأولى من التصعيد زادت أرامكو التصدير عبر ميناء ينبع بنسبة تزيد عن 40% مقارنة بالشهر السابق، مما سمح بتصدير حوالي 4.2-4.5 مليون برميل يومياً عبر البحر الأحمر بدلاً من الخليج العربي.

وعلى صعيد البضائع غير النفطية، اعتمدت السعودية على موانئ البحر الأحمر «ينبع وجدة الإسلامي» لاستيعاب معظم الواردات والصادرات. ارتفع حجم البضائع المتداولة في ميناء ينبع بنسبة 35% خلال مارس 2026، وفقاً لبيانات الهيئة العامة للموانئ «موانئ». تم تحويل جزء كبير من الواردات الآسيوية والأوروبية إلى جدة وينبع، مع زيادة الرحلات البحرية عبر قناة السويس، وتجنبت السعودية بذلك انقطاع الإمدادات الغذائية والصناعية الرئيسية. أما الصادرات غير النفطية «كيميائيات، منتجات غذائية، معادن» فقد حافظت على تدفقها عبر ينبع وجدة، مما حد من التأثير على الاقتصاد غير النفطي.

وتجدر الإشارة إلى دور جوهري مارسته المنظومة اللوجستية السعودية بأن ساهمت في إتاحة إمكاناتها من مطارات وموانيء وطرق وأبدت مرونة تنظيمية سعياً لتوفير قدرات لوجستية بديلة لدول مجلس التعاون لفك الاختناقات التي ولدتها الحرب، وشمل ذلك خدمات عبور وتخزين إضافية في موانئ ينبع وجدة للواردات المشتركة مع دول الخليج، خاصة الإمارات والبحرين. كما أعلنت الهيئة العامة للموانئ عن زيادة الطاقة الاستيعابية لموانئ البحر الأحمر لاستيعاب البضائع الموجهة إلى دول المجلس، مما ساعد في الحفاظ على سلاسل الإمداد الإقليمية، فضلاً عن أن المطارات السعودية ساهمت بشكل محوري في فك أزمة الطيران التي واجهت دول مجلس التعاون خلال الحرب الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مع تقييد المجال الجوي فوق إيران والعراق، وتحول آلاف الرحلات الدولية إلى مطارات الرياض «الملك خالد الدولي» وجدة «الملك عبدالعزيز الدولي» والدمام «الملك فهد الدولي» وسواها من المطارات، فقد نقلت شركة الخليج للطيران «Gulf Air» عملياتها الرئيسية إلى مطار الدمام، بينما استفادت شركة الجزيرة الكويتية «Jazeera Airways» من مطار القيصومة لإعادة توجيه رحلاتها. زادت الهيئة العامة للطيران المدني الطاقة الاستيعابية للمطارات السعودية بنسبة تجاوزت 40% خلال الأسابيع الأولى من الحرب، وأتاحت إجراءات تأشيرة سريعة وخدمات نقل بري بديلة، مما سمح باستمرار حركة الركاب والشحن بين دول الخليج وآسيا وأوروبا دون توقف كبير، وخفف الضغط عن مطارات دبي وأبو ظبي والدوحة.

نعود لتوقعات ومرئيات المؤسسات المالية خلال الشهر الأول من الحرب، فقد شهدت الأسواق المالية العالمية انخفاضاً حاداً ومتواصلاً، فحتى إغلاق يوم الجمعة 27 مارس، انخفض مؤشر S&P500 نحو 7%، وخسر Dow Jones أكثر من 6%، بينما تراجع Nasdaq بنسبة تصل إلى 10% في بعض الجلسات، مما أدى إلى دخول السوق في منطقة التصحيح. أما أسعار السلع الرئيسية فقد شهدت تقلبات عنيفة: ارتفع خام ”برنت“ بنسبة تجاوزت 50% ليصل إلى نحو 112-114 دولاراً للبرميل. بالنسبة للذهب، ارتفع مؤقتاً من 5,296 دولار للأونصة عند بداية الحرب إلى 5,423 دولار في الأيام الأولى، ثم تراجع بشكل حاد إلى 4,430 دولار عند إغلاق 27 مارس «انخفاض بنسبة 18.3% من الذروة». أما الفضة فقد ارتفعت مؤقتاً من 32.8 دولار للأونصة إلى 34.2 دولار، ثم تراجعت إلى 28.5 دولار عند إغلاق 27 مارس «انخفاض بنسبة 17.4% من الذروة». أما الأسمدة «خاصة اليوريا» فقد ارتفعت بنسبة تصل إلى 30% في الأسابيع الأولى بسبب اضطراب الإمدادات من الخليج، ثم استقرت جزئياً مع انخفاض صافٍ قدره حوالي 8% من الذروة حتى 27 مارس.

فوقفاً لتوقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» الصادرة في تقريرها المؤقت لشهر مارس 2026، فمن المتوقع أن يرتفع معدل التضخم في دول مجموعة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD ومجموعة العشرين إلى 4.0% في 2026 «ارتفاع بـ 1.2 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة للمنظمة»، مع تباطؤ النمو العالمي إلى 2.9% في 2026، مما يجعل الحديث عن خفض سعر الفائدة تخرصات غير قابلة للتحقق في بحر هذا العام.

وطلباً للتعرف على وجهات نظر البنوك التي تدير الثروات وتراقب عن كثب تحركات الأموال، فتتناول الفقرات التالية منظور مجموعة منها، كلٍ على حدة:

يرى تقرير سيتي غروب أن الحرب أدت إلى اضطراب حاد في إمدادات الطاقة، حيث ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 50%، مع إمكانية تعطل 11-16 مليون برميل يومياً إذا أُغلق مضيق هرمز جزئياً أو كلياً، ويحذر التقرير من أن هذا الارتفاع سيؤدي إلى ضغوط تضخمية قوية على الاقتصاد العالمي، خاصة في أوروبا وآسيا المستوردتين للطاقة، مع تباطؤ ملحوظ في النمو الاقتصادي، ويصف المخاطر بأنها «ذات ذيول سميكة» أي احتمال كبير لسيناريوهات أسوأ إذا طال أمد الصراع.

2. خفض جولدمان ساكس توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2026 مع رفع توقعات التضخم، ففي السيناريو الأساسي يتوقع البنك أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى انخفاض النمو العالمي بمقدار 0.1 نقطة مئوية وارتفاع التضخم بـ 0.2 نقطة مئوية، أما في السيناريو المتطرف «إغلاق هرمز لفترة طويلة» فيتوقع انخفاض النمو العالمي بـ 0.4 نقطة مئوية وارتفاع التضخم بـ 0.7 نقطة مئوية، كما يتوقع تأجيل خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من يونيو إلى سبتمبر 2026.3. خفض جي بي مورغان هدف مؤشر S&P 500 لنهاية 2026 من 7500 إلى 7200 نقطة، معتبراً أن الأسواق تقلل من احتمالية استمرار الصراع، ويتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى انخفاض نمو الناتج المحلي العالمي بمعدل سنوي 0.6% في النصف الأول من 2026 مع ارتفاع التضخم العالمي بأكثر من 1% سنوياً، ويشير إلى تأثير سلبي على نمو القطاع غير النفطي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية «خاصة البحرين والإمارات»، وقد افترض البنك عدة سيناريوهات نعرض لها بإيجاز:

السيناريو الأساس: الصراع محدود وينتهي خلال أسابيع، يعود مضيق هرمز للعمل تدريجياً، أسعار النفط تنخفض إلى 80-90 دولاراً، والتأثير على النمو العالمي محدود «أقل من 0.3 نقطة مئوية».

السيناريو المتوسط: استمرار الاضطراب لعدة أشهر، ارتفاع النفط إلى 110-130 دولاراً، انخفاض نمو عالمي بـ 0.6% سنوياً في النصف الأول من 2026، مع ارتفاع التضخم بأكثر من 1%.

السيناريو المتطرف: إغلاق كامل لمضيق هرمز أو سيطرة على جزيرة خارك، أسعار النفط تصل إلى 150 دولاراً أو أكثر، مما يؤدي إلى ركود عالمي محتمل وانكماش طلب كبير.

4. حذر بنك ماكواري من أن استمرار الصراع حتى يونيو 2026 قد يرفع أسعار النفط إلى مستوى 200 دولار للبرميل في السيناريو المتطرف، خاصة إذا أدى إلى إغلاق كامل أو شبه كامل لمضيق هرمز لأكثر من شهرين. يتوقع التقرير أن يؤدي هذا الارتفاع إلى صدمة تضخمية حادة في أستراليا «ارتفاع أسعار الوقود بين 25 سنتاً إلى دولار واحد للتر»، وانخفاض نمو الناتج المحلي الأسترالي بمقدار 0.5-0.8 نقطة مئوية، مع ضغط قوي على الدولار الأسترالي «AUD» بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة المستوردة، وتأثير سلبي كبير على قطاع التعدين والتصدير الأسترالي، ويحذر من تأخير خفض الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الأسترالي «RBA»، مما يزيد من مخاطر الركود في الاقتصاد الأسترالي والعالمي:

السيناريو الأساس: اضطراب محدود ومؤقت، أسعار النفط تتراوح بين 80-110 دولار، تأثير خفيف على النمو العالمي والأسترالي.

السيناريو المتوسط: استمرار الصراع عدة أشهر، ارتفاع النفط إلى 120-150 دولار، انخفاض نمو الناتج المحلي الأسترالي بـ 0.5 نقطة مئوية وارتفاع التضخم بـ 0.8 نقطة مئوية.

السيناريو المتطرف: إغلاق هرمز لأكثر من شهرين، أسعار النفط تصل إلى 200 دولار، ركود محتمل في أستراليا وانخفاض نمو عالمي كبير.

5. يصف دويتشه بنك الأزمة ب«الصدمة الماكرو الرئيسية» التي ترفع علاوة المخاطر الجيوسياسية بشكل حاد، ويتوقع ارتفاع أسعار النفط إلى نطاق 100-130 دولاراً للبرميل في السيناريوهات المتطرفة. يحذر التقرير من أن أوروبا ستكون الأكثر تضرراً بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج العربي، مما قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم وتأخير خفض أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي «ECB»، ويؤكد أن الصراع يمثل «صدمة عرض» كبيرة قد تحول دون عودة الاقتصاد العالمي إلى مسار النمو المستدام إذا طال أمد إغلاق مضيق هرمز.

يمكن الخلوص إلى البنوك الرئيسة تتفق على أن التأثير الأساسي يأتي من خلال ارتفاع أسعار النفط بسبب اضطراب مضيق هرمز، مما يرفع التضخم ويبطئ النمو العالمي ويؤخر خفض الفائدة من البنوك المركزية. كما تتفق على أن أوروبا وآسيا وأستراليا هم الأكثر تضرراً، بينما يرى الجميع أن السيناريو الأسوأ يرتبط بإغلاق طويل الأمد للمضيق. أما الاختلافات بين البنوك فتكمن في درجة التشاؤم: حيث يركز جي بي مورغان على انكماش الطلب وسوق الأسهم، ويقدم ماكواري أرقاماً أكثر تطرفاً «نفط إلى 200 دولار»، فيما يعطي جولدمان ساكس أرقاماً كمية دقيقة، ويُبرز سيتي غروب التبعات والتداعيات، ما عبر عنه بـ ”ذيول سميكة“ للمخاطر، بينما دويتشه بنك يركز على «الصدمة الماكرو الرئيسية» وتأثيرها على أوروبا.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى