لا أُبالي
من المفاهيم الواضحة هي اللا أبالية المذمومة والتي تشير إلى خمول في الطاقات والقدرات، وفقدان الشعور بتقادم الأيام وتحقق الفرص السانحة للتقدم بضع خطوات نحو تحقيق أهدافه وآماله على أرض الواقع، حيث يتحوّل ذلك التبلد إلى حالة انسحاب من الواجبات الحياتية الملقاة على عاتقه والجنوح إلى خانة الهامشية وفقدان الوجود الإنجازي، ولكن هل يمكننا البحث عن الجهة الإيجابية في هذا المفهوم، بما يشير إلى حالة صحية تعزز حالة القوة والمناعة في النفس في وسط ضجيج الحياة وهمومها؟
مفهوم اللا مبالاة كثير التداول على مستوى حياتنا اليومية وإلقاء حمل المسئولية والواجبات المتنوعة عن عاتق الإنسان، وبالتأكيد أن هذا المفهوم يأخذ المنحى الإيجابي عندما نركز على غض الطرف وتجنب مسببات القلق والهموم والتبعات النفسية والفكرية لما نمرّ به من أزمات ومشاكل على مستوى المحيط الأسري والمجتمعي والمهني والدراسي وغيره، فإن التراكمات السلبية واجترار اللحظات المؤلمة من الزمن الماضي ينغّص العيش ويلقي بظلاله الثقيلة على الحاضر والمستقبل، فيفقد الفرد روح الأمل وتجدد الروح النهضوية والطموح بأيام قادمة أفضل وأجمل، واللا مبالاة حينئذ تعني التركيز على الأهداف المرسومة في حياته وتجنب ما يشتتها من هموم تجعله يدور في بؤرة البؤس واليأس.
وأما في لحظات الانفعال والتعرض للضغوط الحياتية وتبعات العلاقات الاجتماعية نجد اللا مبالاة حاضرة بقوة في ضبط النفس والاتزان النفسي والانفعالي، إذ هناك من ينساق خلف انفعاله وفورة غضبه ويطلق مواقف غير لائقة وكلمات مسيئة يندم عليها كثيرا بعد ذلك، فالانجرار خلف المشاعر الملتهبة يسوق صاحبها نحو الخسارات المتتالية واستنزاف قدراته النفسية وتركيزه الذهني، ولك أن تتصور حياة من تتحوّل حياته إلى مجرد ردات فعل وتنبّع لمواقف الآخرين والانشغال بكل كلمة أو رأي يقال، بالطبع ستتكوّن عنده حالة من الاضطراب والتوتر النفسي والابتعاد كثيرا عن طريق تكامل النفس، وما يحمي النفس من المواقف والنقاشات الحامية ويبقي نفسه في هدوئها وضبطها هو الإعراض عن كل ما يكدرها وتجاوزه دون إعارتها أي أهمية.
وضوح الأهداف في الحياة ورسمها بصورة متأنية يدفع الفرد نحو ميدان العمل بهمة عالية، وأما ما حوله من ضوضاء وأمور هامشية لا تشغله عن مساره الإنجازي وغايته الحقيقية، فالشخصية الناجحة لا تبالي بما حولها من عوامل الاستفزاز والتهاب العواطف ومشتتات العقول، بل يتجاهلها وكأنها غير موجودة فلا تصرفه عن بوصلة عمله، فمواقف وكلمات الآخرين تخصهم وتنبع من طريقة تفكيرهم وتربيتهم، وليس من المعقول تتبع مواقفهم والاستعداد لردود فعل قوية عليها وخوض مواجهات ونقاشات لا طائل منها سوى العداوات واستحكام الكراهيات وضياع الأوقات والجهود، فالإنسان الحكيم لا يبدد طاقته في صراعات صغيرة بل يوجهها إلى ما يحقق له التقدم والازدهار، فمن يتعلّم تجاهل ما لا يمكن تغييره يعيش غالبا حالة من السلام الداخلي، وهذا لا يعني الاستسلام أو الهروب من الواقع بل يعني التمييز بين ما يمكن التحكم فيه وما لا يمكن تغييره، وحينما يتقبل الإنسان هذا التمييز يصبح أكثر قدرة على التعامل مع الحياة بهدوء واتزان.












