آخر تحديث: 27 / 3 / 2026م - 11:26 م

أزمة الطاقة العالمية إلى موائد الناس

الدكتور ماهر آل سيف *

لم تعد الأزمات الجيوسياسية تُقرأ في نشرات الأخبار بوصفها صراعًا بعيدًا عن حياة الناس، بل صارت تُقاس بما تُحدثه من ارتجاج في أسعار الوقود، والغذاء، والشحن، والكهرباء، ثم بما تتركه من ضيق في معيشة الأسر وتردد في قرارات الشركات. ومع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط وتعطل المرور عبر مضيق هرمز، قفز خام برنت فوق 105 دولارات للبرميل، وارتفع الغاز الأوروبي بنحو 70% خلال مارس، بينما وصفت وكالة الطاقة الدولية ما جرى بأنه أحد أسوأ اضطرابات الإمداد النفطي على الإطلاق.

هذه الموجة لم تُصِب دولة واحدة، بل دفعت حكومات من آسيا إلى أوروبا وأفريقيا والأميركتين إلى التحرك السريع، وإن اختلفت الأدوات بين دولة وأخرى. فالمعادلة كانت قاسية: إما ترك السوق يمتص الصدمة بكلفتها الاجتماعية والسياسية، أو التدخل لتخفيف الألم مع ما يحمله ذلك من أعباء مالية وتشوهات محتملة في الأسعار. ولهذا رأينا العالم لا يناقش فقط سؤال: كيف نخفض الأسعار؟ بل أيضًا سؤالًا أعمق: كيف نخفف الألم من غير أن نزيد التضخم سوءًا؟

في آسيا، بدا التحرك أكثر حدة بحكم اعتماد كثير من الاقتصادات على الطاقة المستوردة. كوريا الجنوبية أعلنت شراء سندات طارئةً بقيمة 5 تريليونات وون لدعم السيولة، ووسعت تخفيضات الضرائب على الوقود، ورفعت سقف حماية الأسعار، كما قررت زيادة تشغيل محطات الطاقة النووية إلى أكثر من 80% وإلغاء القيود الموسمية على بعض محطات الفحم، في محاولة لاحتواء الصدمة على المستهلكين والصناعة معًا. والهند سعت إلى تأمين ممر آمن لسفنها العالقة غرب هرمز، فيما خفضت إمدادات الغاز البترولي المسال المخصصة للصناعة لضمان توافر غاز الطهي للأسر، في مشهد يكشف كيف تُقدَّم الأولويات المعيشية حين تضيق الإمدادات. أما الفلبين فأطلقت صندوقًا طارئًا بقيمة 20 مليار بيزو، أي نحو 333 مليون دولار، لتعزيز أمن الوقود والحد من أثر تقلبات السوق العالمية.

وفي أوروبا، لم يكن المشهد موحدًا، بل كشف عن اختلاف في فلسفة المواجهة. إسبانيا طرحت حزمة دعم بقيمة 5 مليارات يورو، تشمل خفض ضريبة القيمة المضافة على الكهرباء إلى 10%، وتخفيضات على أسعار الوقود تصل إلى 30 سنتًا للتر، مع دعم خاص لقطاعي الزراعة والنقل. ألمانيا اختارت نهجًا تنظيميًا، فأقرت تشريعًا يقيّد محطات الوقود برفع الأسعار مرة واحدة يوميًا فقط، مع تشديد قواعد الشفافية والمنافسة، بعدما تجاوزت أسعار الوقود فيها حاجز اليوروين للتر. أما فرنسا فتبنت موقفًا أكثر حذرًا؛ إذ رفضت وزارة ماليتها اللجوء الواسع إلى دعم الوقود أو خفض الضرائب العامة، وعدّت ذلك وقودًا إضافيًا للتضخم، وفضّلت بدلًا من ذلك إجراءات مؤقتة وموجهة للقطاعات الأكثر تضررًا، مثل النقل والصيد والزراعة، مع مراقبة الأسعار والتنسيق للإفراج عن احتياطيات نفطية استراتيجية.

بل إن الأزمة دفعت بعض العواصم الأوروبية إلى إعادة النظر في أولوياتها الكبرى. فالاتحاد الأوروبي، تحت ضغط أسعار الغاز واعتبارات أمن الإمدادات، بدأ يناقش تخفيف بعض الأهداف والسياسات المناخية أو تأجيلها، فيما ارتفعت الدعوات إلى تقديم أمن الطاقة وكلفتها على وتيرة الانتقال الأخضر. وهذه مفارقة قاسية: فالحرب لا ترفع الأسعار فقط، بل قد تؤجل كذلك بعض المسارات الإصلاحية الطويلة التي كان يُراد لها أن تُخفف التبعية للطاقة الأحفورية.

أما أفريقيا، فقد ظهر أثر الأزمة فيها بصورة أشد قسوة على الشرائح الهشة. فقد حذر صانعو السياسات في القارة من أن ارتفاع النفط سيضرب قطاعات إنتاجية رئيسية مثل التعدين، وقد يوقف مسار خفض الفائدة الذي بدأته بعض البنوك المركزية بعد تراجع التضخم في الأشهر السابقة. وفي الصومال، لم تبقِ الأزمة في إطار النظريات الاقتصادية، بل نزلت مباشرة إلى الشارع، حيث أدى ارتفاع الوقود إلى تعطل عدد من سائقي التوك توك، ورفع الأجرة على الركاب، في بلد يواجه أصلًا هشاشة معيشية وجوعًا ممتدًا. هنا يظهر الفرق بين الدول القوية ماليًا والدول المكشوفة: فالأولى تناقش صيغة الدعم، أما الثانية فتخشى أن يتحول الوقود إلى عبء يشل حركة الناس والعمل.

وفي الأميركتين، لم يكن الاهتمام محصورًا بسعر البنزين على المضخات، بل امتد إلى أمن الإمدادات واستقرار الأسواق المالية. الولايات المتحدة أقرضت شركات نفطٍ 45.2 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي ضمن دفعة أولى من خطة أوسع منسقة مع 32 دولة عضوًا في وكالة الطاقة الدولية، في إطار إفراج جماعي يصل إلى 400 مليون برميل. وفي البرازيل، حذرت مجموعة موزعي الوقود من مخاطر على الإمدادات المحلية، ولا سيما في الديزل، مع زيادة الاعتماد على الواردات وارتفاع الضغط على سلاسل اللوجستيات. وهذا يؤكد أن الأزمة لا تضرب المستهلك فقط، بل تمتد إلى البنية التجارية وسلامة التوريد نفسها.

ومع كل هذه التدخلات، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الحكومات أن تمنع الأثر الكامل؟ الجواب الأقرب: لا. هي قد تُبطئ انتقال الصدمة، وقد تخفف حدتها على بعض الفئات، لكنها لا تستطيع أن تمحو أثرها ما دامت كلفة الطاقة المرتفعة تتسرب إلى النقل، ثم إلى الصناعة، ثم إلى الغذاء، ثم إلى المعيشة كلها. ولهذا فإن الأزمة الراهنة ليست مجرد أزمة نفط، بل أزمة ثقة وتوقعات أيضًا؛ لأن الناس حين يرون الوقود يصعد، يتوقعون غلاءً أوسع، وتبدأ الأسواق في إعادة تسعير كل شيء على هذا الأساس.

ومن هنا نصل إلى الولايات المتحدة، حيث لا يبدو الغلاء رقمًا جامدًا في تقرير اقتصادي، بل عبئًا يوميًا يطرق باب الأسرة في محطة الوقود، وعلى رفوف المتاجر، وفي فاتورة الكهرباء، وفي كلفة النقل والغذاء. لذلك، حين حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن التضخم الأمريكي قد يرتفع إلى 4.2% هذا العام بفعل صدمة الطاقة، فإنها لم تكن تتحدث عن مؤشر بارد، بل عن ضغط معيشي مرشح لأن يثقل حياة الناس ويعيد إلى الأذهان دروس الأزمات السابقة. ففي يونيو 2022 بلغ التضخم الأمريكي 9.1%، وهو أعلى مستوى في نحو أربعين عامًا، وكان ارتفاع أسعار الطاقة من أبرز محركاته. واليوم، إذا طال أمد الصدمة، فالأثر المتوقع واضح: قدرة شرائية أضعف، إنفاق أكثر حذرًا، تباطؤ في الطلب على الكماليات، وضغط أكبر على الشركات الأضعف. وإذا كانت الأزمات تبدأ من خرائط السياسة، فإنها تنتهي دائمًا عند مائدة البيت؛ هناك حيث يفهم المواطن معنى الحرب لا من الخطب، بل من الفاتورة.