آخر تحديث: 22 / 3 / 2026م - 8:30 م

وبالوالدين إحسانًا

سلمان العنكي

خُلقنا خفافًا فثقلًا في أرحام الأمهات تسعة أشهر في أنين وحنين، تتقاسم الحامل والمحمول الغذاء مع ما تعاني من آهات، حتى إذا اكتملت مدتها أو قبلها أبصر جنينها الحياة كرهًا بإحدى ثلاث: طبيعية، أو طلق صناعي، أو قيصرية. وقتها تصارع سكرات الموت، ولكنها ما إن تسمع صيحات وليدها تغمرها الفرحة، وتتأمل ملامحه بشوق وإشراقة وجه، ومتى رأت كماله وجماله نسيت متاعب تحملتها وصعابًا منها عانت لأيام.

ثم يعقبها سهر بالليل؛ تسقيه، وتطعمه، وتهيئ له المنام، ونهارًا تخدمه وترعاه، تؤثره على نفسها. فجزى الله أمنا راحةً في الدنيا وثوابًا في الآخرة، على أعمالها المتعددة المتواصلة: إرضاع، وتربية، وحقوق زوج، ومشاغل بيت، وأعراضها متعبة، وحالات مرضية تمر بها مكلفة.

الأب يسعى جاهدًا لتوفير حاجاته دون نقصان، يتعرض أثناءها لمواقف يتمنى أن أمه لم تلده من قسوتها: تجارة خاسرة، صعوبات عمل، طرد بلا مبرر أو خلاف. فإن تعرض لشيء عندها يجري البحث عن مصدر دخل سريع، حزينًا كئيبًا مشغول الفكر، يذرف دموعًا أخفاها مراعاة لمشاعر من يعول، أو بعدًا عن شماتة ضعاف النفوس، يستجدي من يقرضه ليصرف حتى تنفرج.

يكبر الصغير، ويُلحق بالمدارس، والداه يتابعانه لينجح بتفوق، يتخرج، ويتوظف، حان الزواج: «تدلل، ما هي مواصفات خطيبتك يا عديل الروح؟». تُطرق أبواب الفتيات بين رافضة وشارطة ومحرجة، إلى أن يتحقق المطلوب بالقبول.

اكتملت الترتيبات، وحُددت ليلة الزفاف، وكم هي جميلة، كالقمر، المحبوب. ساعتها حانت الأمنيات في انتظار قدوم الحفيد، ليتناوبان حمله ويلاعبانه، وإن سافرا جاءا له بأثمن هدايا وثياب. «ما أعز من الولد إلا ابن الولد».

وإذا بهذا الشاب يدخل دائرة عقوق وقطيعة رحم وإهمال ولا مبالاة، منه أو بإيعاز وتزيين من آخرين، فانقاد ووطئ على معروف أبويه بقدميه؛ لا يزورهما، لا يعودهما، لا يسأل عن حاجتهما، كأن بينه وبينهما عداوة أجيال توارثت وثأر. خابت الظنون، ضاع ربيع العمر، زادت الهموم، يبحثان عنه فلا يجدانه، وإن قابلاه مصادفة أعرض بوجهه دونهما.

وربما كانت الوالدة انفصلت أو ترملت، تتعطل معاملاتها في الدوائر الرسمية والأهلية، ولا أحد يقف إلى جانبها سواه، ولكن أين هو؟ غاب، لا يُعرف له مكان.

ستينية اتصلت بوحيدها، ولأول مرة: «ولدي، أنا تعبانة، خذني للمستشفى»، رد بجفاء: «الشارع قريب منك، اخرجي، وسيارة توصلك»، وحظرت رقمه منذ سنوات، ولا يزال.

تقدم بها العمر، نالت منها السنون: قلب، سكر، ضغط، ثقل سمع، فقد بصر، هشاشة عظام، جفت الركبتان، تقوس الظهر؛ لا زائر، لا متفقد، لا محدِّث إلا من جيران وفاعلي خير.

نتساءل: أنقول: أهذا جزاء الإحسان، العقوق والنسيان والحرمان، أم الوفاء والعطف والحنان؟

كن حذرًا محتاطًا لمستقبلك، عامل كما تحب أن تُعامل إذا كبرت. الأيام حبلى، الزمن دوّار؛ من أودع أبويه أو أحدهما دار العجزة ونسيهما، غدًا يُودع ويُنسى.