فرحتنا واحنا صغار بعيدية العيد
مهما اختلفت الأيام والأزمنة تبقى العيدية التي تعطى للصغار في يوم العيد من العادات الراسخة التي لا تتبدل، بل تنتقل من جيل إلى جيل كما تتناقل الأمهات حكايات الجدات للصغار في ليالي البرد أيام الشتاء في زمن بيوت الطين.
كان العيدُ قديماً يفيضُ بهجةً بضجيجِ الأرواحِ قبلَ الأجساد، نغفو على صوتِ ضحكاتِهم ونستيقظُ على دفءِ أياديهم، كانت نسمات المحبة والسلام نشعر بها بين البيوت المتواضعة وعلو وجوه ساكنيها التي تقرأ فيها الفرح والسرور بالعيد السعيد، أما اليوم فقد انطفَأَ في العيدِ سراجُ الألفة، وصارَ يمرُّ ثقيلاً كغريبٍ يطرقُ باباً مهجوراً.
أصبحنا في أيام العيد نتبادلُ التهاني والتبريكات كأننا نضمدُ جراحاً لا تبرأ، ونبكي بصمتٍ خلفَ ابتساماتٍ باهتة؛ لأننا أدركنا متأخرين أنَّ العيدَ اليوم لم يكن في ”تذوق أنواع الحلويات“ ولا في ”لبس أشهر ماركات الثياب“، بل كان في وجوهٍ كانت حاضرة لكنها غابت تحت التراب يرحمهم الله، وفي قلوبٍ أتعبتها هموم الحياة ولم تعد كما كانت.
كانت العيدية التي نحصل عليها في بلدتي ”جزيرة تاروت“ من العادة البسيطة في ظاهرها العميقة في أثرها، فهي لا تُقاس بعدد القروش التي نحصل عليها من الأهل والجيران، بقدر ما تُقاس بحجم الفرح الذي تزرعه في قلوبنا الصغيرة، أتذكر جيدًا في أيام الطفولة والصبا حين كان العيد يطلّ علينا ببهجته، نمر بين أزقة البلدة نطرق أبوابها مرددين ”عيدكم مبارك“ ونقف أمامها بوجوهٍ يغمرها الشوق، وعيونٍ تترقب تلك اللحظة التي تمدّ فيها يدي العطاء من خلف الباب، وبالرغم من أن القروش التي نحصل عليها لم تكن كثيرة، لكنها كانت كفيلة بأن تصنع يومًا لا يُنسى.
بعد أن ننتهي من تجميعة العيد نذهب بها إلى مدينة الألعاب الموجودة في منتزه القطيف في سبعينيات القرن الماضي أو إلى مدينة الدمام ونلعب بفرح لا يوصف بألعاب لم نراها من قبل، وبعضنا يشتري له من الألعاب التي تملأ واجهات المحلات القريبة ويتفاخر بها بين الأصدقاء في البلدة، وحين نجتمع اليوم مع زملاء الطفولة والصبا ونسرد تلك الذكريات، يتحدث بعضنا لا عن قيمة ما أخذوه، بل عن تلك الذكريات الجميلة وما رافقها من مشاعر الفرح والاعتزاز.
انتهى زماننا وما ظنتي يعود، وانتقلت هذه العادة الجميلة إلى الأحفاد، لتبدأ حكاية جديدة في زمانهم بروحٍ قديمة، وصاروا هم أيضًا يقفون في صباح العيد في المساجد أو المجالس ببراءةٍ لا تختلف كثيرًا عن براءة آبائهم، وهم ينتظرون تلك ”العيدية“ التي تحمل لهم عالمًا كاملًا من الفرح. يراقبون الكبار بعيونٍ متلألئة، وكأنهم يقولون بصمت: ”عيدكم مبارك“.
الفارق اليوم واضح؛ فالمبالغ التي يحصل عليها الصغار أصبحت أكبر، وخيارات صرفها أوسع، والأسواق امتلأت بما لذ وطاب من الألعاب الإلكترونية بما لم يكن يخطر على البال سابقًا، ومع ذلك تبقى فرحة اليوم مختلفة عن الأمس، حيث أن فرحة الأمس رغم بساطتها كانت أعمق وأصدق، ربما لأن الحياة كانت أبسط، أو لأن القلوب كانت تفرح بالقليل، أو لأن العيد نفسه كان يحمل طعمًا مختلفًا، يمتزج برائحة جدران الطين ودفء البيوت القديمة ولمّة الأهل.
ختاماً: اليوم يُطِلّ علينا يوم العيدُ كَغَيمَةِ حنين، يَطرُق أبوابَ قلوبٍ أتعَبَها الفَقد؛ فنَبتسِمُ وفي الأعيُنِ دمعةٌ تُداري غِيابَ مَن كانوا هُم العيد، العيدُ في واقِعَنا اليوم هو صلاةٌ نرفعُها للسماء، ودعاءٌ نَلُفّه بِوَردِ الوفاء لِمَن رحَلوا عنا دون رجعة، صابِرين على وجَعِ فراقهم، وكل عام وأنتم بخير.












