هل نرى الفرح أم نصوره فقط؟
ليس عيد الفطر مجرد محطة زمنية في تقويم الشعوب الإسلامية، بل هو ”انفجار كوني“ من البهجة يكسر رتابة الوجود. إنه اللحظة التي تتوحد فيها جغرافيا القلوب من طنجة إلى جاكرتا، حيث لا تشرق الشمس على مآذننا فحسب، بل تشرق في الزوايا المعتمة من أرواحنا. العيد هو ”البيان الختامي“ لرحلة الروح في رمضان، هو المكافأة السماوية التي تجعل من الجوع طهارة، ومن السهر نوراً. إنه العصب الحي الذي يربط مليارات البشر بوشيجة من الفرح المقدس، ليثبت أن الأمة التي تجتمع على ”الله أكبر“ هي أمة لا تزال تملك مفاتيح السعادة الحقيقية رغم كل الجراح.
في سنواتنا الخوالي، كان الفرح يُعاش بالجسد والحواس، كنا ”نرى“ العيد في لمعة الأعين، وفي رائحة البخور التي تسكن الثياب، وفي خشونة كف الجد وهي تمسح على الرؤوس. كان الفرح حالة ذهنية كاملة الانغماس، لا نحتاج لإثباتها لأحد لأننا نرتديها كقميص من نور.
أما اليوم، فنحن نقف أمام تساؤل وجودي حاد:
هل بتنا نرى الفرح أم نكتفي بتصويره؟
لقد تحولت منصات التواصل إلى ”معارض للفرح المُعلب“، حيث يسابق المرء الزمن لتوثيق اللحظة قبل أن يعيشها. ننشغل بزاوية الإضاءة في ”السناب“ وننسى زاوية الانشراح في الصدر. نلتقط صورة المائدة العامرة وننسى لذة اللقمة التي تجمع القلوب. إن الفرح الذي يُصنع من أجل ”الآخرين“ هو فرح بارد، بينما الفرح الذي يُعاش من أجل ”الذات“ هو الذي يبقى في الذاكرة طويلاً بعد أن تنطفئ شاشات الهواتف. الصدق في معايشة الفرح يكمن في تلك اللحظات ”التي لم تُصور“، في الضحكات العفوية التي لم تكن مرتبة، وفي الدموع الصامتة التي تنهمر شكراً لله، تلك هي الحقيقة التي لا تدركها العدسات، بل تدركها الأرواح الحية.
ختامًا، بعد أعوام من الكتابة ومراقبة تقلبات الوجوه والقلوب، أقولها لكم وبكامل الفراسة التي منحتني إياها الأيام: ”إن الفرح الحقيقي هو الذي يسكنك، لا الذي تسكنه في إطار صورة“.
لا تجعلوا شاشاتكم تحجب عنكم نور وجوه أحبتكم، ولا تجعلوا البحث عن ”اللقطة المثالية“ يسرق منكم ”اللحظة الحقيقية“. العيد ليس استعراضاً للأناقة، بل هو استعراض لنقاء النفس. فكونوا أنتم الفرح، ولا تكونوا مجرد مصورين له،. فالفرح الذي لا يترك أثراً في القلب، لن تخلده كل ألبومات الصور في العالم.
"عِش عيدك بقلبك، فالعين قد تخطئ.. أما الروح فلا تضل طريق البهجة أبداً.












