ما هو ميزانُكَ مع الناس؟
مجتمعنا - في مجمله - ليس مجتمعًا فقيرًا من الناحية المالية، بل يغلب عليه مستوى معيشة متوسط؛ فالكثير يملك ما يكفيه، ويعيش حياة مستقرة دون ترفٍ ظاهرٍ أو حاجةٍ مُلحّةٍ، وهناك من يجتهد ويعمل ويعتمد على نفسه، كما توجد فئات محدودة الدخل، وأخرى أكثر ثراءً. ولذلك فالمسألة ليست في وجود الفقر أو عدمه، ولا في درجة المال لدى الإنسان، بل في شيءٍ آخر أدق.
إلى من نتقرّب؟ هل نتقرّب ممن يملكون مالًا؟ أم نتقرّب من البسطاء؟ أم أن قربنا أصبح مرتبطًا - دون أن نشعر - بما يضيفه لنا الطرف الآخر؟
الأصل أن يكون الإنسان قريبًا من الجميع، لا يفرّق في تعامله، ولا يغيّر سلوكه باختلاف المكانة أو الحال. لكن الواقع يكشف لنا - أحيانًا - غير ذلك. ففي اللقاءات، سواء كانت مقصودة أو عابرة، يتضح الفرق؛ حين نلتقي بشخصٍ صدفة، كيف يكون استقبالنا له؟ كيف تكون ابتسامتنا؟ كيف نُسلّم عليه؟ هل نبادر؟ هل نقف؟ هل نُظهر الاهتمام ذاته؟ هنا تظهر ”الإشارة الحقيقية“ … ليست في الكلام، بل في التفاصيل الصغيرة التي لا يتكلّفها الإنسان، بل تخرج منه كما هو.
فنجد - دون تصريح - فرقًا في التعامل؛ ابتسامة عريضة، ومبادرة بالسلام، وربما الوقوف والترحيب الحار مع صاحب المال، بينما يُكتفى مع غيره بمصافحة سريعة أو سلامٍ باردٍ دون اهتمامٍ يُذكر، مما يترك أثرًا من الألم في نفس الإنسان البسيط، حين يشعر أنه لم يُلتفت إليه حتى بنظرة عابرة.
ومع مرور الوقت، ومع تأثير المجتمع، والصورة العامة، وثقافة المكانة، يبدأ هذا الميزان في التغيّر؛ فينتقل الإنسان - دون أن ينتبه - من التعامل بعفوية وإنسانية، إلى تعاملٍ انتقائي تحكمه المصلحة أو الصورة. فيظهر ذلك حتى في حضوره وتلبية الدعوات، واختياره لمن يزور ومن يعتذر عنه؛ فيُبادر لبعض الناس ويحرص على حضور مناسباتهم، بينما يتأخر أو يعتذر عن غيرهم، لا لشيء إلا لما يمثّله كل طرف في نظره.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى تفاصيل أدق في هيئته ولباسه، حيث يحرص على أفضل ما لديه حين يقصد من يُنظر إليه على أنه صاحب مالٍ أو مكانة، فيختار ملبسه بعناية ويُظهر اهتمامًا واضحًا بمظهره، ويزداد هذا التفاوت وضوحًا باختلاف مكان المناسبة وطبيعتها، وكأن لكل موقعٍ معايير خاصة في الحضور والمظهر، بينما لا يُبدي الاهتمام ذاته حين يذهب لزيارة من هو أقل حالًا، وكأن للمكانة مقياسًا ينعكس حتى على أبسط التفاصيل… وهنا تبدأ المشكلة.
فالقضية ليست في حضور مناسبة أو تركها، ولا في معرفة هذا أو ذاك، بل في طريقة النظر إلى الناس؛ في أن يصبح الإنسان البسيط - رغم خُلُقه واحترامه - أقل حضورًا في دائرة الاهتمام، بينما يُمنح غيره مساحة أكبر، لا لشيء إلا لما يملكه.
ولكي لا يُفهم الحديث على غير مقصده، فليس في هذا تقليلٌ من شأن من وسّع الله عليهم، فكثيرٌ منهم أهلُ خيرٍ ومكانة، ويستحقّون التقدير، بل ويستحقّون تلبية الدعوات، والوقوف معهم في السراء والضراء وفي المحن. لكن الإشكال حين يتحوّل الميزان، وتتغيّر نظرتنا للآخرين بناءً على ما لديهم لا على ما هم عليه.
وهنا يبقى السؤال: هل تغيّر الناس… أم تغيّر ما في داخلنا؟
فإن كان الميزان قد اختلّ، فالإصلاح لا يبدأ من المجتمع، بل من أنفسنا، قبل أن نطالب الآخرين بأن يكونوا كما نريد.












