آخر تحديث: 12 / 3 / 2026م - 9:40 م

حين يقود العدل الإدارة

محمد يوسف آل مال الله *

قراءة سيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من الزاوية الإدارية ليست مجرد استحضارٍ لتاريخٍ عظيم، بل هي محاولة لاكتشاف نموذج مبكر للحكم الرشيد وإدارة المجتمع على أسس أخلاقية وإنسانية. فعندما نتأمل فترة خلافته (35-40 هـ)، نجد أمامنا مدرسة إدارية متكاملة تقوم على العدالة، والشفافية، والمسؤولية، وهي مبادئ لا تزال تُعدّ اليوم أساسًا لما يسمى بالإدارة المؤسسية الحديثة.

أول ما يلفت النظر في إدارة الإمام علي هو مبدأ العدالة قبل المصلحة. فقد كان يرى أنّ بقاء الدولة لا يتحقق بالمجاملات السياسية أو المصالح الضيقة، بل بإقامة العدل بين الناس. هذا المبدأ يظهر بوضوح في موقفه من توزيع بيت المال، وقصته مع أخيه عقيل بن أبي طالب تؤكد ذلك، حيث رفض التمييز بين الناس في العطاء، معتبرًا أنّ المال مال الأمة لا مال الحاكم. في لغة الإدارة الحديثة، يمكن وصف هذا بأنه تطبيق لمبدأ العدالة التنظيمية (Organizational Justice)، وهو أحد أهم عناصر بناء الثقة داخل المؤسسات.

ثانيًا، اعتمد الإمام علي على اختيار الكفاءات لا الولاءات في تعيين الولاة والمسؤولين. ويتجلى ذلك بوضوح في رسالته الشهيرة إلى الصحابي الجليل مالك الأشتر رضوان الله عليه حين ولاّه مصر، والتي تُعد من أعمق الوثائق الإدارية في التاريخ الإسلامي. ففي هذه الرسالة وضع معايير دقيقة لاختيار الموظفين، مثل النزاهة والخبرة والقدرة على خدمة الناس، محذرًا من تعيين المقرّبين لمجرد القرابة أو المصلحة. ولو تأمّلنا هذا التوجيه اليوم لوجدناه مطابقًا لمفهوم إدارة الموارد البشرية القائمة على الكفاءة.

كما ركّز الإمام علي على الرقابة والمساءلة، فقد كان يطالب ولاته بمحاسبة أنفسهم قبل أن يُحاسَبوا، وكان يتابع أعمالهم بدقة، بل ويعزل من يثبت تقصيره أو ظلمه. هذا المبدأ يشبه ما تعرفه المؤسسات الحديثة بـ الحوكمة المؤسسية (Corporate Governance)، التي تقوم على الشفافية والمساءلة لضمان حسن إدارة الموارد.

ومن الجوانب اللافتة أيضًا في إدارته هو الاهتمام بالإنسان قبل النظام. ففي توجيهاته للحكام يؤكد على الرحمة بالناس واحترام كرامتهم، قائلًا إنّ الناس ”إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق“. هذه النظرة الإنسانية تمثل اليوم أساس ما يسمى القيادة الأخلاقية (Ethical Leadership)، التي توازن بين تحقيق النتائج والحفاظ على القيم.

إنّ قراءة تجربة الإمام علي من هذه الزاوية تكشف لنا أنّ الإدارة ليست مجرد تقنيات أو هياكل تنظيمية، بل هي قبل كل شيء قيم تحكم القرار. فالمؤسسة التي تُبنى على العدالة، وتدار بالكفاءة، وتراقب بالشفافية، هي مؤسسة قادرة على الاستمرار والتأثير.

ولعلّ الدرس الأهم الذي يمكن أن نستحضره في عصرنا هو أنّ نجاح أي مؤسسة، سواء كانت حكومية أو خاصة، لا يعتمد فقط على الخطط والاستراتيجيات، بل على القيم التي تقود القيادة. وهنا يظل نموذج الإمام علي حاضرًا بوصفه مثالًا خالدًا للإدارة التي تجمع بين الحكمة والعدالة والإنسانية.