آخر تحديث: 9 / 3 / 2026م - 8:11 م

الكلمة الجارحة… أثر لا يُرى، لكنه يبقى

هاشم الصاخن *

هل تلقيت يومًا كلمة جارحة في حياتك، سواء من شخص قريب أو من شخص بعيد؟

غالبًا ما تمرُّ مثل هذه الكلمات سريعًا على لسان قائلها؛ لكنَّها لا تمرُّ بالسهولة نفسها على قلب من سمعها. فالإنسان بطبيعته يتأثر بما يسمع؛ فقد تكون كلمة عابرة سببًا في رفع معنوياته وتشجيعه، كما قد تكون كلمة أخرى سببًا في جرحه وإضعاف ثقته بنفسه.

والمشكلة أنَّ كثيرًا من الكلمات الجارحة لا تُقال دائمًا بقصد الإيذاء؛ بل قد تصدر في لحظة غضب، أو على سبيل المزاح، أو بدافع الانتقاد غير المدروس. ومع ذلك فإنَّها تصل إلى القلب بطريقة مختلفة عمَّا قصد صاحبها.

وهنا يبرز نوع آخر من الكلمات الجارحة، وهي الكلمات التي يتفوَّه بها بعض الناس اتِّجاه الآخرين من دون مراعاة لمشاعرهم أو تقدير لأثر ما يقولون؛ فيتحدث الإنسان بما في نفسه بلا تردد، سواء كان ذلك أمام الشخص المعني أو في حضوره، غير ملتفت إلى ما قد تتركه كلماته من أثر على النفوس.

ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية حين تتحوَّل الكلمة من وسيلة تواصل بين الناس إلى أداة قد تجرحهم أو تقلل من شأنهم دون حاجة.

ليس بالضرورة أن تكون الإساءة مجرَّد كلمة عابرة أو عبارة قيلت في لحظة غضب؛ فقد تتجاوز ذلك إلى اتِّهام أو اتِّهامات يطلقها بعض النَّاس من غير تثبّت. وقد يكون وقع هذا الاتهام على المتلقي أشد قسوة من كثير من الكلمات غير اللائقة؛ لأنَّ الاتِّهام لا يجرح المشاعر فحسب؛ وإنَّما قد يمس السمعة والكرامة أيضًا؛ فصاحب الكلمة الجارحة أو الاتهام لا يجرح المتلقي وحده؛ بل يتأثَّر هو أيضًا بما يصدر عنه من إساءة. فالإصرار على التفوه بالعبارات المؤذية يجعل الشخص يعتاد عادة سيئة، ويقسو قلبه، ويصبح أقل قدرة على ضبط النفس أو التقدير لمشاعر الآخرين. كما أنه قد يفتح أمامه بوابة المظلوم الذي أساء إليه، فكل إساءة تتراكم تصبح سببًا للخصومة، وربما للحقد أو الانتقام، سواء كان ذلك بلسان أو تصرف، ممَّا يعقِّد العلاقة بين الطَّرفين إلى حدٍّ يصعب إصلاحه.

ولذلك فإن التَّفَوُّه بالعبارات الجارحة هو تصرف له أثر طويل على حياة صاحبها وعلاقاته الاجتماعية، وليس مجرَّد فعل عابر؛ فقد يتحوَّل إلى شخص منفصل عن الرَّحمة والتَّعاطف، وتصبح علاقاته مع الآخرين محكومة بالشك والحذر، وحتَّى مع الأشخاص الذين يحبهم؛ لأنَّ عادته في الإساءة جعلته يزرع الألم أينما حلَّ.

ومن هنا ينبغي أن يعلم كل من يتفوه بالكلمات الجارحة أو يطلق الاتهامات بلا حساب أن الله سبحانه وتعالى لا ينسى ما صدر منه من إساءة اتِّجاه الآخرين، وأن هذه الأفعال مُحاسَبَةٌ عليها، مهما بدا الشخص متأثرًا أو غير مقصود. وليس بالضرورة أن تكون هذه العادة مرتبطة بشخص بعينه، فالإنسان بطبيعته قد يقصر دون شعور في حق الآخرين إذا غفل عن أثر كلامه، وهذا يستدعي اليقظة والحذر دائمًا.

أمَّا من تلقَّى هذه الإساءة، فالمسألة بالنسبة له أَكْثَر حساسية؛ لأنَّ وقع الكلمات أو الاتهامات قد يترك أَثَرًا عميقاً في النفس، ويزرع الحزن أو المرارة، وربما يشوّه الثقة بالآخرين. وهنا يظهر الاختبار الحقيقي لقدرة الإنسان على ضبط نفسه، وعدم السماح لغضبه أو شعوره بالظلم أن يقوده إلى رد فعل مؤذٍ. فالتفكير الهادئ وإدراك أَثَر هذه الكلمات يمكن أن يمنعها من أن تتحوَّل إلى جرح دائم أو فتيل نزاع مستمر.

الصفح عن الآخر، على الرَّغم من صعوبة الموقف، قوة تمنح المتلقي راحة وطمأنينة، وتقطع الطريق أمام العداوة أو تراكم الضغائن. ويمكن للإنسان أن يتعلم ألا يحمل كل كلمة جارحة أثقالها في قلبه، وأن يحفظ نفسه من أَثَرها على حياته وعلاقاته. ومع ذلك، لا يعني الصفح قبول الإساءة أو السماح بتكرارها؛ بل يعني السيطرة على الانفعال، والحفاظ على كرامة النفس وسلامة القلب، حتَّى لا تتحول الإساءة إلى دائرة مستمرة من الألم والتوتر بين الطرفين.

وفي نهاية المطاف، يظل الحق محفوظاً عند الله سبحانه وتعالى، فالذي يتفوه بالكلمات الجارحة أو الاتهامات الموجهة للآخرين لن يُنسى له عمله، وسيكون حسابه على قدر ما سبب من ألم وحزن للآخرين. وفي الوقت نفسه، يظل المتلقي مسؤولاً عن نفسه، عن كيفية استجابته للإساءة، وعن قدرته على التحكّم بمشاعره والصفح عند المقدور، ليحافظ على حياته وعلاقاته دون أن تثقلها كلمات الآخرين أو ظنونهم.

سيهات