آخر تحديث: 7 / 3 / 2026م - 4:53 م

عقل الطوارئ في زمن التحولات

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

نجد أنفسنا هذا العام أمام مشهد إقليمي ودولي متسارع، تتداخل فيه التحولات السياسية والاقتصادية، وتتزايد فيه الضبابية العالمية. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نتابع الأخبار أو نحلل المواقف، بل يصبح السؤال الأهم: كيف نتعامل، كمجتمع، مع هذه التحولات؟ وكيف نحمي تماسكنا الاجتماعي وصحتنا النفسية في ظل هذا المناخ؟

التداعيات السياسية لا تبقى حبيسة حدود السياسة. فأي اضطراب جيوسياسي أو اقتصادي يمتد أثره إلى ثلاثة مسارات رئيسية: اقتصاديًا عبر سلاسل الإمداد والأسعار وفرص العمل؛ واجتماعيًا عبر القلق الجمعي، وتضخم الشائعات، والاستقطاب؛ وصحيًا عبر ارتفاع مستويات التوتر، واضطرابات النوم، وتراجع جودة الحياة. ومن هنا، فإن التعامل مع المرحلة لا ينبغي أن يكون عاطفيًا أو انفعاليًا، بل بمنظور «الجاهزية»، أو ما يمكن تسميته بعقل الطوارئ.

عقل الطوارئ لا يعني الخوف، ولا يعني الهلع أو التشاؤم، بل يعني الانضباط، وترتيب الأولويات، والالتزام بالتوجيهات الرسمية، وفهم أن الأزمات - مهما كانت حدتها - تُدار بخطط مؤسسية، وأن دور الفرد في مثل هذه المراحل هو الشراكة الواعية، لا المزايدة ولا التهويل.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن المجتمعات الأكثر تماسكًا هي تلك التي تثق بمؤسساتها، وتلتزم بالرسائل الرسمية، وتتجنب نشر الأخبار غير الموثقة. أخطر ما يواجه المجتمعات في أوقات التحولات ليس الحدث نفسه، بل التفكك الداخلي، والتشكيك غير المنضبط، والتضخيم غير المسؤول.

نحن في شهر رمضان، شهر المراجعة والانضباط الروحي. لكن المفارقة أن رمضان يتحول، سلوكيًا لدى البعض، إلى موسم استهلاك مفرط، وإرهاق اقتصادي، وتسابق على الكماليات. وفي ظل متغيرات عالمية متسارعة، يصبح الترشيد ليس فقط قيمة أخلاقية، بل ممارسة استراتيجية.

العشر الأواخر تحديدًا فرصة لإعادة ترتيب الأولويات:

- ما الذي نحتاجه فعلًا؟

- ما الذي يمكن تأجيله؟

- كيف نوازن بين الفرح بالعيد وبين الحكمة في الإنفاق؟

التوفير لا يعني البخل، بل يعني الاستعداد. التفكير في الأولويات لا يعني التشاؤم، بل يعني النضج. والمجتمع الواعي هو الذي يعرف كيف يحتفل دون أن يفقد بوصلته.

من الجانب الصحي، فإن الإفراط في متابعة الأخبار، خاصة في أوقات التوتر السياسي، ينعكس مباشرة على الجهاز العصبي. فالتعرض المستمر للمعلومات المقلقة يرفع مستويات التوتر، ويؤثر في جودة النوم، ويضعف المناعة، ويزيد من حدة التفاعل داخل الأسرة. وفي شهر يُفترض أن يكون شهر سكينة، قد نجد أنفسنا - دون وعي - نستبدل الطمأنينة بالقلق المستمر.

لذلك، من المهم تقنين متابعة الأخبار، والاعتماد على المصادر الرسمية، وعدم الانخراط في نقاشات غير منضبطة، خصوصًا في المساحات العامة أو الرقمية التي قد تزيد من الاستقطاب. فحماية المناخ النفسي داخل البيت مسؤولية لا تقل أهمية عن أي استعداد مادي.

وقرب العيد لا ينبغي أن يكون موسم ضغط إضافي. فالعيد في جوهره معنى، وليس مظاهر؛ هو اجتماع، وتواصل، وامتنان. وإذا كانت التحولات العالمية تفرض علينا درجة أعلى من الوعي، فهذا لا ينتقص من فرحتنا، بل يجعلها أكثر نضجًا.

الوقوف مع الوطن في أوقات التحولات لا يكون بالصوت العالي، بل بالسلوك المسؤول؛ يكون بالالتزام، وبالهدوء، وبالوعي بأن الدول تُدار بعقل استراتيجي، وأن دور الفرد هو أن يكون عنصر استقرار، لا مصدر اضطراب.

نحن اليوم بحاجة إلى خطاب عقلاني يوازن بين الثقة والواقعية؛ فلا تهوين مفرط يغيّب الاستعداد، ولا تهويل يزرع القلق. وبين العشر الأواخر والعيد، لدينا فرصة ذهبية لنرسّخ هذا الاتزان: أن نُحسن العبادة، ونُحسن التدبير، ونُحسن الظن، ونُحسن إدارة مواردنا.

التحولات السياسية جزء من دورة التاريخ، لكنها لا ينبغي أن تهز استقرارنا الداخلي. فالمجتمعات القوية ليست تلك التي لا تمر بأزمات، بل تلك التي تمر بها وهي أكثر تماسكًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:

هل نتعامل مع المرحلة بعاطفة لحظية، أم بعقل طوارئ ناضج يضع الأولويات، ويثق بالمؤسسات، ويحمي أسرته، ويُحسن الاستعداد؟

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي