آخر تحديث: 3 / 3 / 2026م - 8:50 م

الآية التي غيّرت مساري

رضي منصور العسيف *

سألته يومًا: كم ختمة قرآنية تختم في شهر رمضان؟

أجابني بثباتٍ يملؤه اليقين: خمس ختمات.

دهشت، وقلت: وكيف استطعت أن تبلغ هذا المقام؟

ابتسم ابتسامة من ذاق الطريق بعد أن أضاعه، وقال: هل لديك متّسع من الوقت لتسمع قصتي؟

قلت بلهفة: بل لك قلبي قبل أذنيّ… تفضل.

بدأ صديقي عبدالرحمن حديثه بصوتٍ تختلط فيه العبرة بالامتنان: كنت شابًا في السابعة عشرة من عمري…

لا أعرف للصلاة موعدًا، ولا للقرآن عهدًا.

كنت أعيش كما يعيش كثير من الشباب: ضحك، ولهو، وسهر، واستخفاف بما هو أعظم من الدنيا كلها.

كانت أمي تنظر إليّ نظرةً أعرف معناها، في عينيها سؤالٌ موجع: لماذا يا عبدالرحمن؟

كنت أجلس مع أصدقائي، أضحك مثلهم، لكن في داخلي شيءٌ لا يضحك.

ضيقٌ في صدري…

يأتي بلا موعد، ويرحل بلا تفسير.

شككت في صحتي.

قلت: لعل في قلبي مرضًا!

وما علمت أن المرض لم يكن في عضلةٍ تضخ الدم، بل في قلبٍ غفل عن ذكر الله.

دخلت الجامعة وأنا على ذات الحال…

حتى جاء ذلك اليوم الذي غيّر مسار حياتي.

ظهر لي مقطع فيديو يتلو قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا .

توقفت…

كأن الآية خرجت من الشاشة وصفعتني على وجهي.

"ألم تسمع؟

أنت أحدهم… أنت أحدهم."

ترددت الكلمات في عقلي بقوةٍ لم أعرفها من قبل.

شعرت أن الآية لا تُتلى… بل تُحاكم.

من أضاع صلته بالله، واتبع هوى نفسه، ضاعت بوصلته في الحياة.

الصلاة رشد، واتباع الشهوة بلا ضابط غيٌّ وضياع.

جلست أفكر: إلى متى؟

إلى متى أعيش بلا هدف؟

إلى متى أؤجل توبتي وكأن العمر بيدي؟

تخيلت النهاية…الغيّ…الخسران…العقوبة الشديدة في الآخرة.

سالت دموعي على خدي دون استئذان.

صرخت في داخلي: كفى غفلة! كفى ضياع! آن الأوان أن أعود.

عدت إلى البيت وملامحي تحمل أثر المعركة التي دارت في قلبي.

نظرت إليّ أمي بقلقٍ ممزوجٍ بحنان: ما بك يا ولدي؟ هل أصابك مكروه؟

نظرت إليها…كاد صدري ينفجر بالبكاء.

أردت أن أقول: لقد استيقظت يا أمي… بعد سباتٍ طويل.

دخلت غرفتي، أغلقت الباب، وانهرت باكيًا على سنواتٍ ضاعت، على صلواتٍ تركت، على قلبٍ تأخر كثيرًا في العودة.

ثم سمعت أذان المغرب…كان الصوت مختلفًا تلك المرة.

لم يكن نداءً للصلاة فحسب، بل نداءً للنجاة. فتحت الباب، توضأت، والماء ينساب على وجهي كأنه يغسل ما علق بروحي.

لاحظت أمي التغيير. رأت في عينيّ ما لم تره منذ سنوات.

سالت دمعة على خدّها، رفعت كفيها إلى السماء، تتمتم بدعاءٍ طويلٍ مختنق: ”اللهم كما رددته إليك ردًا جميلًا، فثبّت قلبه، واجعله من أهل القرآن، ولا تحرمني فرحة صلاحه ما حييت.“

وقفت للصلاة…وكأنني أصلّي لأول مرة.

كنت أرتجف في التكبير، وأشعر بكل آيةٍ تمرّ على قلبي قبل لساني.

السجود لم يكن حركةً جسدية، كان انكسارًا حقيقيًا.

وفي آخر سجدة، بكيت…لا خوفًا فقط، بل حبًا.

فلما سلّمت من صلاتي، شعرت أن ذلك الضيق الذي لازم صدري سنوات… قد اختفى.

كأن بابًا فُتح في داخلي، ودخل منه نور.

رفعت عيني إلى السماء وقلت: ”ربِّ اجعلني مقيم الصلاة….“

ومنذ ذلك اليوم، صار القرآن رفيقي. لا أقرأه عددًا… بل أقرأه حياة.

أما الخمس ختمات في رمضان، فليست إنجازًا…بل رسالة شكرٍ متكررة: الحمد لله الذي أيقظني قبل أن يقال ”يا ليتني عدت.“

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف