آخر تحديث: 3 / 3 / 2026م - 8:50 م

الامتنان حين يتلاشى

حسن آل جميعان *

عادةً، عندما يقدم لك فردٌ معروفًا، فإنك تشعر تجاهه بشيءٍ ما، وهذا الشيء نطلق عليه ”الامتنان“. قد ينشأ هذا الشعور نتيجة سلوكٍ صغير، وقد يكون متناهيًا في الصغر، ورغم ذلك تجد نفسك ممتنًا لهذا الشخص، حتى لو كان سلوكه غير مقصود، أي حدث بالصدفة. شعور الامتنان هذا نابعٌ من الثقافة والتربية الأخلاقية التي نشأ عليها الفرد في المجتمع الذي يتفاعل معه سلبًا وإيجابًا. فهل قيمة الامتنان لا تزال تحظى بالمكانة المفترضة، أم تلاشت كما تدّعي المقالة؟

القيم، عندما تخضع للمساومة، تفقد قيمتها تدريجيًا، ويصبح تأثيرها على الفرد والمجتمع محدودًا جدًا. هذه القيم يمارسها الفرد لأنها تضيف معنىً إلى وجوده الإنساني؛ أي كلما انعكست على سلوكه ازدادت بريقًا ولمعانًا. هكذا هي القيم ذات الطابع الأخلاقي؛ تتجلّى كلما بذلها الشخص، أما إذا أخضعها للمساومة فإنها تتلاشى، وتتصحّر ذاته وإنسانيته لأنه وضع مقابلًا لكل شيء. ماذا يقدّم الطرف الآخر حتى أقدّم له؟ هذا المنطق لا يوصلنا إلا إلى طريقٍ مسدود، إضافةً إلى المزيد من المشكلات الاجتماعية التي لا حصر لها في زماننا هذا.

كذلك ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة الاستحقاق، التي جعلت قيمة الامتنان والقيم الأخرى عرضةً للخطر بسبب التحولات التي نعيشها؛ إذ تحوّل كل شيء إلى ”استحقاق“. بمعنى أن الشخص الذي قدّمت له معروفًا لا يرى أنك قدّمت له سوى حقّه الطبيعي، مع أن هذا فعلٌ وسلوكٌ أخلاقي قدّمته إليه بمحض إرادتك وفطرتك السويّة. لكنه، مع الأسف الشديد، لا يرى أنه ممتنٌّ لك، وغير مستعد حتى لقول ”شكرًا“، بل تجده يطالبك بما هو أكثر. وهؤلاء الأشخاص قد يكونون من الدائرة الأقرب إليك، فضلًا عن الأبعدين.

نحن نعيش في زمنٍ لا يمكن، بسبب سرعته، التنبؤ بتحولاته المتسارعة، مما يؤثر على القيم الأخلاقية ويجعلها عرضةً للتحول والتغير. ومع ذلك، ينبغي علينا التذكير بها والحديث عنها باستمرار حتى نجدد حضورها الاجتماعي؛ لأن هذه القيم، ومنها ”الامتنان“، هي التي تحافظ على ما تبقى من إنسانيتنا الممزقة بسبب هيمنة المادية على حياتنا وسلوكنا وثقافتنا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
زكريا أبو سرير
[ تاروت.. القطيف ]: 3 / 3 / 2026م - 10:19 م
مقالٌ رائع، وإشارةٌ إنسانيةٌ مهمّة، أستاذ أبا إلياس، وأظنّ أنَّ كثيرين قد شعروا بها، مع الأسف الشديد.
بوركت أناملكم.