آخر تحديث: 1 / 3 / 2026م - 11:10 م

الأحساء ماذا بعد الإرث الاقتصادي؟

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

بعد تعرفي على الآثاري السعودي الحاذق د. عبدالله المصري، منذ سنوات ليست بالقليلة، أدركت أن ما كنتُ أسمعهُ في صبايّ وأقرأه متناثراً هنا وهناك هو أمرٌ لا يبعد كثيراً عن حقيقة مفادها أن أوتاد التحضر ضاربةٌ في الأحساء منذ آلاف السنين. فقد كان حديثه مذهلاً عن أعمال تنقيب علمية ومنهجية أجريت في بعض قرى الأحساء إبان تحضيره لاطروحته لنيل الدكتوراة من جامعة شيكاغو. وقابلت بعد ذلك العديد من الآثاريين المرموقين ومن أبرزهم الدكتور عبدالرحمن الأنصاري يرحمه الله الذي جمعتني معه مقاعد مجلس الشورى، والدكتور سعد الراشد، والدكتور علي المُغَنمّ الذي طال الحديث بيننا عن الجهود التي تبذلها الدولة لاستكشاف المكنوز الآثاري، وله مؤلفاتٍ أحدها عن جواثا «أو جواثى».

تاريخياً، امتلكت الأحساء اقتصاداً منوعاً؛ فقد كانت تُرسل تمورها ومحاصيلها الزراعية للمناطق المجاورة والبعيدة، وكانت أسواقها مقصداً للمتبضعين من سائر البلدان المحيطة، حيث تتوفر البضائع ويتنافس عليها التجار بيعاً وشراءً. وبحكم انتشار الصناعات التقليدية منذ قرون، فتجد تدرجاً في الجودة؛ ففي دنيا الهدم والمشالح - مثلاً - تجد تفاوتاً من حيث النسيج والحياكة والتطريز اليدوي. وفي الزراعة، فنظام الريّ إتسم ليس فقط بتجنب البَخَرّ وبدقة توزيع مياه الري، بل بتصريف وتدوير المياه للري أكثر من مرة، ومن هنا أتت مفردات مثل ”طايح وطايح الطايح“، فالطايح هو ماء صرف المزارع، الذي كان يستخدم في ري المزروعات الأكثر تَحملاً لمستويات أعلى من الملوحة، كما أن في ذلك تطبيق والتزام بمبدأ الاستدامة التي تتصدر المنابر هذه الأيام، من خلال: الاستخدام المتعدد والمتتابع والمُقتصدّ للمورد النادر «الماء» والقائم على السعي الحثيث لتعظيم عائد ”سلسلة القيمة“ value chain, بما أوجد تنوعاً في المحاصيل من تمور وفواكه «ولا أنسى العنب والرمان والبوبيّ أو ”البابايا“» والورقيات وحتى الأرز.

وباعتبار أن الاقتصاد ظاهرة اجتماعية تعتمد عموماً على جهد وحذق الموارد البشرية، فالقيمة الاقتصادية الأهم هي الفرد، فالعيب - في الأحساء - ليس أن يعمل الشخص براتب بسيط «موظفاً» بل العيب كل العيب أن يتسكع طوعاً من هو قادر على الكدّ. وفي الإدارة، فالحذق ليس التضييق بل تحفيز العامل، وهو مرتكز وضعه ”تايلور“ في إدارته العلمية قبل قرن من الزمن، لكنه كان يُطبق في الأحساء منذ قرون بأن يتفق مالك النخل مع ”شريك“ بأن يعتني الأخير بالنخل مقابل حصة من المحصول، وكان ”الشريك“ يدير بعقلية ودوافع المالك بما يُحَسنّ العائد ويحدّ من المصاريف. ولن أغادر قبل أن أتحدث أن التجويد ليس مقصوراً على الزراعة وإنتاج أفضل أنواع التمور، بل كذلك الأمر في الصناعات التقليدية الحرفية، وفي مقدمتها صناعة البشوت التي أصبحت أيقونةً ثقافية بارزة.

هذه المفاهيم في التنافسية والارتقاء المستمر بالجودة صَنعت في الأحساء اقتصاداً تقليدياً لم يشق له غبار في منطقته في حقبة ما قبل النفط. الإرث الاقتصادي للأحساء، على مستوى النظرية والتطبيق، لا يقلُ إشراقاً وحذقاً في حقبة رؤية المملكة 2030 عن إشراقة ما يختزنهُ جوفها من موارد هيدروكربونية، فالنشاط السياحي على أشده، والاهتمام بالتصنيع الزراعي آخذ في التنامي، وهكذا يمكن القول أن الاحساء واحة الاقتصاد المتنوع بكل قطاعاته ونشاطاته، يبقى أن نأخذ التصنيع والتحول الرقمي بما في ذلك استخدام الذكاء الصناعي للمستوى التالي.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في تعزيز الإنتاجية من خلال الأتمتة الذكية للعمليات بما يؤدي لتحسين استخدام الموارد والتنبؤ بالمخاطر ليضيف ما بين 1.5 بالمائة إلى 3 بالمائة إلى الناتج المحلي غير النفطي من خلال رفع الكفاءة والحد من الهدر، في القطاع الزراعي التقليدي والتوسع في الزراعة الرأسية للمحاصيل ذات القيمة العالية، وفي القطاع الخاص بأن يتخذ مبادرة للتحول إلى الذكاء الاصطناعي والاستثمار فيه ولاسيما في مراكز الطاقة ومصانع الذكاء الاصطناعي، حيث تتوفر العناصر الضرورية من حيث الموقع والامتداد الجغرافي وتوفر مصاد الطاقة والموارد البشرية المدربة والقابلة للتدريب لإعادة التأهيل.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى