آخر تحديث: 1 / 3 / 2026م - 11:10 م

في ضيافة أمير المؤمنين عليه السّلام

عبد الرزاق الكوي

أيام وساعات في عمر الإنسان لا تُقدَّر بثمن، ولا يمكن إحصاء عظمة أجرها وثوابها؛ هي أن يكون العبد في ضيافة خالقه سبحانه وتعالى، وهو من سمّى اسمه بالكريم وسائر أسمائه الجليلة وعظيمةِ القدر ورفيعة الشأن. وزيادةً على ذلك، أن تكون على مائدة لطف ورعاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، تكون هذه الساعات والأيام والليالي أبهى المعاني الروحانية؛ يظهر للعيان ليس المحبة من قبل الموالي لإمام ، بل الشعور بمحبة أمير المؤمنين وعطفه ورعايته تتنفس من رحيق أنفاس الإمام .

فالمحبة عن قرب لهذه الشخصية الفريدة التي منّ الله تعالى بها على البشرية ليكون نبراسًا للإنسان الرباني الذي يملك القلوب وتفديه الأرواح؛ فكم من ذهب في سبيل حبهم الإمام على مر التاريخ، ورغم المحن والويلات التي عاشها محبوه بقي وسيبقى ملك القلوب ومهوى الأفئدة. إنه حب يتعدى حدود الوصف؛ لو اجتمع عظماء المعرفة في العالم من مفكريهم وعباقرتهم وعلماء النفس والعرفان أن يصلوا إلى معنى هذا الحب.

حب كأنَّ شخصَ أمير المؤمنين يعيش بين ظهراني محبيه، يستلهمون منه معاني الحب المتبادل؛ حب نزل من السماء أن يتشرّف ويُشرّف بالولادة في أحضان الكعبة المشرفة، ويبقى فترة من الزمن تحت رعاية إلهية، لينتقل بعدها تحت رعاية خير البشر، ليكون معجزة من معاجزه الخالدة التي تنير سماء الإنسانية كافة على مختلف أديانها وأعراقها، كمثل يسكن القلوب بدون منازع، ليكون أيقونة الحب الدائم.

مهما اختلفت تعريفات الحب ومسمياته وتجلياته ومصادره، سواء كانت من القلب أو العقل، فحب علي ملك القلب والعقل والمشاعر. حب نزل من السماء وأخبر به الرسول ﷺ في مواضع كثيرة وأماكن متعددة؛ ليرسخ هذا المفهوم وعلاقته بكمال الدين وقبول الأعمال، أن يُعاش من الصغير والكبير، المتعلم والأمي، والفقير والغني، وجميع الأطياف المختلفة، حتى من غير المسلمين عندما يقرؤون سيرته يدخل قلوبهم شعاعًا من نور علي ليبيض وجوههم وينير قلوبهم ويذوبون عشقًا في هذه الشخصية الفريدة التي يتقرّب بها أصحاب القلوب الطاهرة في حبها لله تعالى وللرسول ﷺ، ولتكون أفضل أعمال هذا الشهر الفضيل.

فهو العبد الصالح الذي أخبر عنه الرسول ﷺ أنه «رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». وكان مطلب الرسول ﷺ من أمته أجرًا على ما أعطى وقدم وصبر وهدى هو مودة علي وأهل بيته .

في الرواية عن الرسول ﷺ: «أخذ بيد حسن وحسين وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة». ومن منطلق هذه الأحاديث أنشد المحقّق الطوسي رحمه الله قصيدته المشهورة:

لو أنَّ عبدًا أتى بالصالحات غدًا
وودَّ كلَّ نبيٍّ مرسلٍ وولي

وصامَ ما صامَ صوَّامٌ بلا مللٍ
وقامَ ما قامَ قوَّامٌ بلا كسلِ

وحجَّ ما حجَّ من فرضٍ ومن سننٍ
وطافَ ما طافَ حافٍ غيرُ منتعلِ

وطارَ في الجوِّ لا يأوي إلى أحدٍ
وغاصَ في البحر مأمونًا من البللِ

يكسو اليتامى من الديباج كلَّهمُ
ويطعم الجائعين البُرَّ بالعسلِ

وعاشَ ما عاش آلافًا مؤلفةً
خالٍ من الذنب معصومٌ من الزللِ

ما كان في الحشر عند الله منتفعًا
إلا بحبِّ أمير المؤمنين علي

سيبقى هذا الحب ما بقيت الأيام والليالي وامتد الزمان؛ لا يحبك يا علي إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، ولا يوجد وسط بينهم ولا حياد بين اختيار الجنة والنار. هذه العلاقة ما تحتاجُ إليه البشرية في عصر التوحش والبعد عن القيم وتفعيل شريعة الغاب، هو العودة إلى قيم الإمام علي ، رجل العدالة وإمام المتقين. سيبقى الحب المتبادل، حب الإمام علي لمحبيه وأتباعه، أن يحفظهم من شرور ومكر الحاقدين والمتربصين وأعداء الإنسانية، وحب الأتباع لأمير المؤمنين بالمحافظة على تراثه والتمسك بولايته مهما كانت الصعوبات وتكالبت الأزمات.