في رحاب النجف الأشرف
زيارة النجف تعتبر زيارة غير عادية، بل شرفًا وطهارة. هذه الأرض المقدسة شرّفها الله تعالى بأن تحتضن جسد نفس رسول الله ﷺ ووصيه والمقرّب عنده مكانة، ليس قربًا عائليًا، بل أوامر إلهية. كانت الكوفة مركزًا مهمًا وقت قدوم الإمام أمير المؤمنين علي
إليها سنة 36 هـ - 656 م، فأصبحت مقرًا وعاصمة للخلافة الإسلامية، وإلى وقت استشهاده فيها ليلة 21 رمضان 40 هـ، اختار أمير المؤمنين الإمام علي
الكوفة لتكون عاصمة لدولته، ليس اعتباطًا، بل ينظر بعين الله تعالى ويستشرف المستقبل، وما الدور الذي سوف تلعبه في الحياة المعاصرة من أخذ زمام الأمور لقيادة العالم عامة، وأتباع أهل البيت
بشكل خاص، لتصبح أهم حواضر المجتمعات العربية والإسلامية.
وانتقلت هذه المكانة إلى النجف الأشرف عند استشهاد الإمام علي
، وظل موضع القبر سرًا مكتومًا لا يعرفه إلاّ أهل البيت
وأصحاب خواص شيعتهم. وعند معرفة القبر الشريف، أصبحت ذات شأن كبير ومكانة مرموقة وأرض مقدسة، فذكرتها كتب التاريخ وأصحاب السير والمؤرخون بإفاضة بالغة، وأسهب في وصفها البلغاء والشعراء. ولا غرابة أن تحتل مثل هذه المكانة والمنزلة السامية كمركز من مراكز الدراسات الدينية واتخاذ القرارات المصيرية، ويتجه لها ملايين من الأتباع يأخذون علوم دينهم وما يتعلق بأمورهم الاجتماعية من هذا النبع الوافر، الذي يستمد قيمه ومعارفه من فكر الإمام علي
.
منزلة النجف الأشرف أرادها الله تعالى أن تتبوأ هذه المكانة في حفظ تراث العترة من الاندثار والضياع والتزوير. اليوم تظهر النجف الأشرف قبلة المحبين، وباب العاشقين، ومحط ركاب السالكين، وطالبي العلوم؛ يتقاطر عليها الأتباع والموالون من أصقاع العالم يتطهرون من هذا النبع الصافي والماء الزلال، رغم كيد الكائدين، وتربص المنافقين، وإجرام الإرهابيين، والمؤامرات من كل حدب وصوب، من أجل إخفاء هذه المعالم الربانية على مر التاريخ الطويل منذ استشهاد الإمام علي
حتى تقوم الساعة، والصراع بين الحق والباطل قائم.
اليوم المرقد الشريف يبرز كعلامة ولاء من المحبين لهذه الشخصية العظيمة التي كرّست حياتها من أجل البشرية، في منظر يسر الناظرين ويأخذ بقلوب الزائرين ببهائه وهيبته، بفضل خدام مخلصين ومحبين انبروا لهذا العمل على أتم وجه، ليكون معلمًا فريدًا على المستوى العالمي بدقة العمل وروعة النقوش وجمال الألوان والزخارف الهندسية الجميلة المزينة ببعض الآيات القرآنية، تعتبر آية من آيات الفن المعماري الإسلامي.
ومما وسّع في إرثها الفكري والحضاري لتكون قطب الرحى للعالمين العربي والإسلامي، ومركزًا روحيًا وثقافيًا ودينيًا وعلميًا، ظهور الثرى الطاهر وكراماته في تلك البقعة. فامتلكت النجف من يومها عمقها الديني، والعامل الديني يُعد عاملًا مهمًا في نشأة الكثير من المدن، والمدن التي تنشأ لهذا الاعتبار لا تخضع لأي عامل آخر كالجغرافي والاجتماعي أو العرقي وغيره. والتطور الذي حصل للنجف الأشرف استمد قوته من الإيمان والمعتقدات التي يتأثر بها من طبيعة الدين الإسلامي الذي اهتم بالممارسات المدنية أيضًا اهتمامًا متعادلًا ومتكاملًا مع الطقوس الدينية المشجعة للحياة الحضارية.
من هنا نشأت مدينة النجف الأشرف مرتبطة بضريح الإمام علي بن أبي طالب
، باب علم النبي ﷺ وعاصمة فقهه، وعلوم آل البيت الطاهرين، مثوى وليد الكعبة وشهيد المحراب، يعسوب الدين مصدر المرجعية والتقليد، ومهد الحركات العلمية والأدبية، أم العلوم. فالزائر يتجول في هذه المدينة المشرفة والعظيمة الشأن، يشعر بأنفاس وخطوات أمير المؤمنين علي
وهي تملأ الأجواء بعطر ملائكي فياض، وتكتسب حلتها كمركز للمرجعية الدينية؛ ليس فقط حفظت العراق من الإرهاب واجتماع قوى الشر، بل حفظت العالم بأجمعه من سرطان خبيث زرع في قلب العالم الإسلامي. ستبقى النجف تحت راية الإمام علي
، وحفظه، ورعاية المرجعية، نبراسًا للحق ودفاعًا عن الإنسانية.

















