آخر تحديث: 28 / 2 / 2026م - 1:42 ص

دعاء الحج للإمام الصادق (ع): قراءة روحية وتربويّة

يُعدّ الدعاء المروي عن الإمام الصادق في شهر رمضان، والذي اشتهر باسم دعاء الحج، من النصوص الدعائية العميقة التي تجمع بين صفاء التوحيد، وصدق التوجّه، وبرنامج تزكية النفس، واستحضار الغاية الأخروية. فهو دعاء لا يقتصر على طلب الحج بوصفه عبادة موسمية، بل يقدّم رؤية متكاملة لمسيرة الإنسان نحو الله، تبدأ بالانقطاع القلبي وتنتهي بالصحبة النبوية والرضوان الإلهي. ومن خلال التأمل في عباراته يتضح أنه دعاء تربيةٍ روحية بقدر ما هو دعاء طلبٍ وحاجة.

نص الدعاء:

" روى الكليني في الكافي عن أبي بصير، قال: كان الصادق يدعو بهذا الدّعاء في شهر رمضان:

اللهُمَّ إنّي بِكَ وَمِنكَ أطلُبُ حاجَتي، وَمَن طَلَبَ حاجَةً إلى النّاسِ فَإنّي لا أطلُبُ حاجَتي إلاّ مِنكَ وَحدَكَ لاشَريكَ لَكَ، وَأسألُكَ بِفَضلِكَ وَرِضوانِكَ أن تُصَلّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَأهل بَيتِهِ، وَأن تَجعَلَ لي في عامي هذا إلى بَيتِكَ الحَرامِ سَبيلاً حِجَّةً مَبرورَةً مُتَقَبَّلَةً زاكيَةً خالصةً لَكَ تَقَرُّ بِها عَيني وَتَرفُعُ بِها دَرَجَتي، وَتَرزُقَني أن أغُضَّ بَصَري وَأن أحفَظَ فَرجي وَأن أكُفَّ بِها عَن جَميعِ مَحارِمِكَ حَتَّى لايَكونَ شيءٌ آثَرَ عِندي مِن طاعَتِكَ وَخَشيَتِكَ، وَالعَمَلِ بِما أحبَبتَ وَالتَّركِ لِما كَرِهتَ وَنَهَيتَ عَنهُ، وَاجعَل ذلِكَ في يُسرٍ وَيَسارٍ وَعافيَةٍ وَما أنعَمتَ بِهِ عَلَيِّ، وَأسألُكَ أن تَجعَلَ وَفاتي قَتلاً في سَبيلِكَ تَحتَ رايَةِ نَبيِّكَ مَعَ أوليائِكَ، وَأسألُكَ أن تَقتُلَ بي أعدائكَ وَأعداءَ رَسولِكَ، وَأسألُكَ أن تُكرِمَني بِهَوانِ مَن شِئتَ مِن خَلقِكَ، وَلا تُهِنّي بِكَرامَةِ أحَدٍ مِن أوليائِكَ. اللهُمَّ اجعَل لي مَعَ الرَّسولِ سَبيلاً، حَسبيَ اللهُ ما شاءَ اللهُ. "

هذا الدّعاء يسمّى دعاء الحج، وقد رواه السيّد في «الاقبال» عن الصادق لليالي شهر رمضان بعد المغرب.

وقال الكفعمي في «البلد الامين» يستحب الدّعاء به في كلّ يوم من رمضان وفي أول ليلة منه، واورده المفيد في «المقنعة» في خصوص اللّيلة الاُوّلى بعد صلاة المغرب.

توحيد جهة الطلب والانقطاع إلى الله:

يفتتح الدعاء بتأسيس حالة الانقطاع القلبي حين يقول الداعي: «اللهم إني بك ومنك أطلب حاجتي». هذه العبارة تختزل حقيقة العبودية، إذ تجعل الله هو الوسيلة والغاية في آنٍ واحد. فالداعي لا يرى في الأسباب إلا مظاهر قدرة الله، ولا يجد في الناس ملجأً نهائيًا لحاجته. إن هذا المعنى يحرّر القلب من التعلّق المرهق بالوسائط، ويمنحه سكينة العارف بأن مصدر العطاء واحد لا يتعدد. وفي أجواء شهر رمضان، حيث تتعمق مشاعر الافتقار والرجاء، يصبح هذا الانقطاع أساسًا للطمأنينة الروحية واليقين بحسن التدبير الإلهي.

الصلاة على النبي وآله مفتاح القبول:

ينتقل الدعاء بعد ذلك إلى الصلاة على محمد وآله، وكأنّ الداعي يقرع باب الرحمة بالمفتاح الأعظم. فالصلاة على النبي وآله ليست مجرد تقليد لفظي، بل إعلان انتماء إلى خط الهداية وطلب للقبول عبر أحب الخلق إلى الله. وفي هذا الاستحضار يتذكّر العبد أن طريق القرب إلى الله يمر عبر الاقتداء بسيرة النبي وأهل بيته، وأن الدعاء حين يتزيّن بالصلاة عليهم يكتسب روحًا من القبول والبركة.

الحج بوصفه رحلة ظاهرية وباطنية:

يبرز في قلب الدعاء طلب الحج المبرور المقبول، غير أن التأمل يكشف أن المقصود يتجاوز السفر المكاني إلى معنى أعمق، وهو العودة إلى الله. فالحج المبرور ليس أداء المناسك فحسب، بل تحوّل داخلي يطهّر القلب ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه. لذلك يطلب الداعي أن تكون هذه الحجة قرة عين وسببًا لرفع الدرجة، في إشارة إلى أن الحج الحقيقي هو ما يترك أثرًا دائمًا في الروح ويصنع تحولًا في السلوك.

تزكية الجوارح وبداية الإصلاح من النظر:

بعد طلب الحج مباشرة ينتقل الدعاء إلى برنامج تزكية السلوك، فيطلب الداعي غضّ البصر وحفظ الفرج والكف عن المحارم. هذا الانتقال يكشف أن الحج ليس منفصلًا عن الحياة اليومية، بل إن صدقه يتجلى في ضبط الجوارح بعد العودة. ويبرز غضّ البصر بوصفه بداية الإصلاح، لأن كثيرًا من الانحرافات تبدأ من نظرة غير منضبطة، ثم تتحول إلى رغبة فتصبح سلوكًا. ومن هنا يتضح أن الدعاء يعلّم الوقاية من جذور الخطأ قبل نتائجه.

إعادة ترتيب سلّم الأولويات الروحية:

يبلغ الدعاء ذروته التربوية في طلب أن لا يكون شيء أحب إلى القلب من طاعة الله وخشيته. فالمعرفة بالطاعة ليست المشكلة غالبًا، بل تقدّم الشهوات والمصالح عليها. لذلك يسعى الداعي إلى إعادة ترتيب الداخل الإنساني بحيث تصبح الطاعة الخيار الأول تلقائيًا، وتتحول الخشية إلى قوة موجِّهة للسلوك. وفي شهر رمضان، حيث يختبر الإنسان قدرته على تقديم رضا الله على رغباته، يكتسب هذا المعنى حضورًا عمليًا واضحًا.

الطاعة الميسّرة ونعمة العافية في الطريق إلى الله:

لا يكتفي الدعاء بطلب الطاعة، بل يطلب أن تكون في يسر وعافية. وهذه لفتة تربوية دقيقة، إذ إن من أعظم النعم أن يسهّل الله طريق الطاعة ويحبّبها إلى النفس ويجنّب العبد فتن الطريق. فالطاعة المرهقة قد تضعف الاستمرار، أما الطاعة الميسّرة فتغدو أسلوب حياة، ويصبح الالتزام بها مصدر سكينة لا عبئًا ثقيلًا.

الشوق إلى الخاتمة الصادقة ومعنى الشهادة:

يحمل الدعاء بعد ذلك بُعدًا رساليًا عميقًا حين يطلب الداعي أن تكون وفاته في سبيل الله وتحت راية النبي ومع أوليائه. إن هذا الطلب يعكس رغبة في أن تكون خاتمة الحياة امتدادًا لموقف الإنسان من الحق، وأن لا ينفصل الموت عن رسالة العمر. فالشهادة هنا ليست مجرد حدث، بل رمز لأقصى درجات الصدق مع الله والتضحية في سبيل المبادئ.

العزة بالله والتحرر من هيمنة الناس:

يؤكد الدعاء على طلب الكرامة من الله وحده وعدم الوقوع في ذلّ التعلّق بكرامة الناس. فالعزة الحقيقية لا تُكتسب بالمظاهر ولا بالقرب من أصحاب المكانة الدنيوية، بل بالارتباط بالله. وهذا المعنى يمنح المؤمن استقلالًا داخليًا يحفظ كرامته ويجنّبه التنازل عن قيمه طلبًا لرضا الآخرين.

الطريق إلى الرسول وخاتمة المسير:

يختتم الدعاء بطلب السبيل مع الرسول، وكأنّ المسيرة الروحية التي بدأها الداعي بالانقطاع إلى الله تنتهي بالصحبة المحمدية. فالطريق إلى النبي هو طريق الاتباع والمحبة والاقتداء، وهو الطريق الذي يضمن للإنسان أن تكون حركته في الدنيا متصلة بغاية أخروية واضحة. وهكذا يتحول الدعاء إلى رحلة تبدأ بالتوحيد وتنتهي بالقرب من النبي ورضوان الله.

خلاصة المعاني التربوية للدعاء:

يتجلّى من مجموع فقرات الدعاء أنه يرسم برنامجًا متكاملًا للحياة المؤمنة، يجمع بين تصحيح جهة الطلب، وتعميق الارتباط بالنبي وآله، والسعي إلى حجٍ يغيّر الداخل، وتزكية الجوارح، وإعادة ترتيب الأولويات، وطلب الطاعة الميسّرة، والاستعداد لخاتمة صادقة، والعيش بعزةٍ مستمدة من الله، وصولًا إلى الصحبة المحمدية. ومن هنا يصبح هذا الدعاء مدرسة روحية لشهر رمضان ولما بعده، يذكّر الإنسان بأن أعظم الحاجات ليست ما يطلبه اللسان فحسب، بل ما يصنعه الدعاء في القلب من تحوّل وصدق وطمأنينة.

استشاري طب أطفال وحساسية